الشورابي والقطاري وافتقار تونس إلى دبلوماسية الأزمة

الثلاثاء 2015/05/05

تلقّى الشعب التونسي ضربة مؤلمة بإعلان حكومة الشرق في طبرق تأكّدها من تعرّض الصحفيين التونسيين، سفيان الشورابي ونذير القطاري، للتصفية الجسدية من قبل فرقة تابعة لميليشيا تنظيم داعش الإرهابي في ليبيا. للتذكير فإنّ الصحفيين التونسيين كانا قد فقدا منذ سبتمبر 2014 الماضي في ليبيا التي توجها إليها في مهمة صحفية. وتحوّل فقدهما إلى قضية رأي عام في تونس اهتم بها الجميع من إعلاميين ومجتمع مدني وأحزاب ومنظمات.

تعدّ قضية الشورابي والقطاري الاختبار الدبلوماسي الذي فشلت في حله السلطات التونسية في عهدين متتاليين. فلقد تم اعتقالهما في حكومة مهدي جمعة ورئاسة منصف المرزوقي. وقد أعلنت حينها حكومة جمعة ورئاسة المرزوقي عن تشكيل خلية أزمة يترأسها رئيس الحكومة لمتابعة ملف القضية. واتسمت تلك اللجنة بالسرية والتكتم بدعوى الحفاظ على سلامة المخطوفين.

الملف أورثته حكومة جمعة لحكومة الحبيب الصيد وتركته رئاسة المرزوقي لرئاسة الباجي قائد السبسي، ولكن المفاجأة كشفها توهامي العبدولي، كاتب الدولة للخارجية، بقوله إنه لم يجد ملفا يتعلق بقضية الشورابي والقطاري في الخارجية، فهل كانت الحكومة السابقة تغالط الشعب وتتلاعب بآلام عائلات الشورابي والقطاري، أم كانت تداري عجزها وتستعجل رحيلها لتتخلص من القضية وتلقي بها لسلفها؟

لم تنج هذه القضية من المزايدة السياسية لا سيما أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، فالرئيس السبسي كان قد وعد عائلتيهما بإعادتهما، تماما كما وعد بالكشف عن حقيقة اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد براهمي، إذا ما انتخبه الشعب التونسي رئيسا لتونس. ولكن لم يقع الإيفاء بالوعد، بل لا شيء يدل على أن رئاسة الجمهورية أولت الموضوع أهمية خاصة. ولم يكن تعامل الحكومة التونسية أفضل من رئاسة الجمهورية في خصوص هذه القضية. فلم توضع خطّة لمتابعتها، ولم يتم الإعلان عن أي خطوة دبلوماسية لكشف ملابسات العملية.

بل إن ما كشفه تعاطي السلطات التونسية مع ملف صحفييها المخطوفين في أرض الجوار هو إقرار ضمني بالعجز عن أي تحرّك، حتى أن الحكومة التونسية لا تعرف مكانهما، ولا الجهة التي اختطفتهما، ولا غايتها من وراء عملية الخطف. قضية الشورابي والقطاري تمثل فشلا ذريعا للسلطات التونسية باعتبار استسلامها للشلل الكامل في التعاطي مع أول عملية نوعية لميليشيا إرهابية قريبة من الحدود التونسية.

لم يتوقّف التعاطي المرتبك للسلطات التونسية مع هذه القضية حتى بعد إعلان حكومة الشرق الليبي خبر تصفية الصحفيين التونسيين. فرئاسة الجمهورية صمتت، ورئاسة الحكومة شككت بل أعلنت عن معلومات جديدة لم تكشف عنها، ثم استدركت وأعلنت عن إرسال قاضي التحقيق إلى طبرق للتحقيق مع الإرهابيين الموقوفين الذي اعترفوا بتصفية الصحفيين ودلوا عن مكان دفنهما. وفي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الخارجية أنه لم يتسنّ لها التأكد من صحة الخبر رغم أنه ورد عن جهة رسمية في ليبيا، يتصل كاتب الدولة للخارجية المكلف بالشؤون الأفريقية والعربية، توهامي العبدولي، بوالدي الضحيتين ويؤكد لهما الخبر ويطلب منهما التدرج في إعلام العائلات بذلك.

وللإشارة فإنّ تونس تتعامل مع الحكومتين الليبيتين المتنافرتين، ذلك أنّ رئيس حكومة طبرق عبدالله الثني شارك في مسيرة باردو العالمية ضدّ الإرهاب في شهر مارس الماضي. ويوم 17 أبريل الماضي تمّ استقبال رئيس حكومة طرابلس غير المعترف بها دوليّا، خليفة غويل، بشكل رسمي من قبل السلطات التونسية. والطرفان أبديا حماسا للمساعدة في ملفّ الشورابي والقطاري لمّا سألهما الصحفيون. كما كان عبدالحكيم بلحاج، زعيم ميليشيا فجر ليبيا التابعة لحكومة طرابلس، قد وعد بإعادة الصحفيين التونسيين المخطوفين في بلده سالمين إلى عائلاتهما. ولكن الوعود جميعها ذهبت أدراج الرياح.

لماذا فشلت السلطات التونسية في إنقاذ الصحفيين التونسيين اللذين وقع اختطافهما في ليبيا؟ لماذا ظلت تنتظر أخبارهما مثلها مثل بقية التونسيين بلا حول ولا قوة؟ الجواب هو افتقارها لدبلوماسية الأزمة. فرغم إقرار التونسيين جميعا، أحزابا ومنظمات وطنية ومجتمعا مدنيا وإعلاما وشعبا، بأنّ ليبيا ضاعت عنها الدولة وتلقفتها الميليشيات ولعب فيها لاعبون خارجيون كثيرون وأفسدوها على أهلها، فإن من استلموا زمام الحكم في تونس من 2011 إلى اليوم لم يفكروا في تكوين دبلوماسية أزمة تكون خاصة بالتعاطي مع الشأن الليبي باعتبار خصوصياته التي ذكرناها.

ففي أكثر من مقال على منبر “العرب” الدولية هذا كنت قد نبّهت إلى الغياب التونسي الكامل داخل ليبيا. وهو غياب مريب إذ أنّ كل الدول التي يكون جوارها متأزما أو ضعفت فيه سلطة الدولة، تبحث عن مداخل لها لتحمي مصالحها وتنقذ رعاياها وتمنع تسرّب السلاح والإرهاب إلى أراضيها، كلّ الدول تفعل ذلك عدا تونس بدعوى عدم التدخل في الشؤون الداخلية الليبية.

إن هذا التبرير وحده كاف ليثبت أن السلطات التونسية لا تميّز الخيط الدقيق الفاصل بين حماية المصالح والرعايا، وبين التدخل في شؤون دول الجوار. ما هو دور السلطات إذا لم يكن الحفاظ على مصالح الوطن والشعب؟

لا تمارس تونس الدبلوماسية الشعبية مع الجار الليبي، وهي دبلوماسية ناجعة أثناء الأزمات لا سيما في وضع شبيه بالوضع الليبي. لقد كانت الدبلوماسية الشعبية في التعاطي مع الشأن الليبي لتخدم مصالح تونس بفعل العلاقات القبلية المتينة بين التونسيين والليبيين في مدن الحدود. ولا تتوفر تونس على أي نوع من التواجد الرسمي على الأراضي الليبية أو على الحدود البحرية بما يضمن التدخل اللوجستي السريع للإجلاء والإنقاذ. في المقابل فاجأت تونس الدبلوماسية العالمية بسابقة غريبة لم تؤلف في العرف الدبلوماسي الدولي حين اعترفت بحكومتين لدولة واحدة رغم أن المجتمع الدولي لم يعترف بإحداهما.

كاتب وباحث سياسي من تونس

9