الشيء المفقود وقصائد أخرى

الخميس 2014/06/12
رحيل التشكيلي القلق


حمادي الهاشمي


الشيء المفقود


هذا الشيء المفقود

مازال يجول العالم

هذا الشيء الناريّ الذي يسقط كلّ يوم

على أرصفة شوارع المدن

وعلى أجساد الجموع العابرة

التي لا تعبأ باهتزاز الأكوان في المخيّلة وعلى أسرّة النّوم

يترصّدهم

وهم يحملون إطلالةَ اليوم بوداعة الطّفل

ثمّ ينكسرون على ضياع فتات موائد المساء

الحقول تينع

الأزهار تينع

وقلب العاشق الهيمان

يتابع احتراقه،

وساعة كنيسة ليدبرخ

تدقّ الواحدة

في حماس ظهر الأحد الأخير من شهر تموز

والخَدَرُ يتلذّذ بمتابعة الأجساد

على هذه الزّرقة المشعّة فوق الأكتاف وعيون الرّضيع

إِذْ يَنْظُرُ إلى جلستي تحت الشَّمس

أحسُّ بكيانِه بين ذراعي أُمِّهِ الواثقة

********

الشَّمْسُ في السَّمت

وصيادو الأسماك

خَلْفَ الأشجارِ يُنْصِتُونَ إلى حركةِ الماءِ في القنواتِ الآسنة

والصَّهدُ يصعدُ بالرَّغباتِ في التحيَّاتِ المتبادلة

يراني أحدُهم مارّا والمذياعُ مُعَلَّقٌ على الرَّقبة

نبتسم بهدوء…

تحيَّة بين الخضرة الزَّاهية

والفراشاتُ البيضُ ترقص مُتَمَوِّجَة في حركةِ الرِّيح،

تكاد تَنْقُلُ الهمسَ الذي عبَّأ الوديانَ الصَّغيرة

من عُشَّاقٍ ظرفاء

يظنُّون العالمَ شجرة

والظِّلالَ أغنية للنَّهار

وبعد تجوالٍ قصير

جلس العاشقان على مِصْطَبَةِ الشَّارع

عند النَّهرِ الذي يمرُّ قُبَالَةَ بيتي… يكتبان في دفاترِ الضَّوء

عن ذاك الشيءِ المفقودِ المقلق الذي أيقظ نَارَهُمَا فجأة،

أيقظ تَوَارُدَ خواطرِهما القافزةِ خَلْفَ البقاء

وكالأطفالِ الممتلئين صِحَّة

يبنون بيوتا ويُحضِّرون الموائد

قبل إقبالةِ اللَّيل

بالنِّيْلِيِّ، وبقمرِ هذه الأيامِ من الشَّهْرِ السَّابع

الذي اكتمل مُحْمَرّا في أفقِ السَّماء

*********

ومضينا نبحث بعد تسليةِ الرُّوح بالهوى

لهذه الأصنافِ الهاويةِ من الهواء

نبحث عن إرهاقِنا المُتَلَبِّدِ كسماءِ بلادِ الشِّمال

نهزُّ الأغصان إلينا

فلا يسقط إلا نِزْرٌ من الثِّمار

لا نهدأ

نهزُّ ثانية وثالثة

ثمَّ نركض في جذل

بعد أنْ تعطَّرتْ أرديةُ القطن

برائحةِ الوردِ وهو يحفُّنا من كلِّ جانب

ننظر يمينا ويسارا

تهدأ معنا

المرأة المتروكة الباكية

ناسية أنَّ الحُلْمَ ينمو

في داخلِنا من أجلِها

ومن أجلِ اخضلالِ حمرةِ عينيها

بِرِقَّةِ السَّماء.

**********

كلّ ليلةٍ في موسمِ الصَّيف

مثل راحلين لا نتوقَّف عن الحلم

نترقَّب مجيء الصَّباحِ منتظرين بجذوعِ شجيراتِ الوردِ المبتلَّة

وقد تطيَّنتْ أصابعُنا بطهارةِ الأرض

عارفين أنَّ ما يحدث

ليس إلا دليلا

على وجودِنا المتغيِّر

وكلَّما ابتعدنا عن ديارِ الأحبَّة

تعاود الطُّيورُ المهاجرةُ عادتها.. تعرّش تحت

حوافِّ السُّقوفِ أعشاشَها

تهبُنا مجالسَنا ثانيةً

بعيدا عن دعائمِ الرَّمل

التي تآكلها البحرُ منذ أمدٍ بعيد

أغنية وترجعين

غدا حين لن يبقَى شيء

من هذه الأشياء

التي امتلكتْ رغباتِك الدَّفينة

ستقفين على عَتَبَةِ البيت

مع نظراتِك التي مازلتُ أكتشف…

تسألينني بتؤدة

إن كان الوقتُ قد تأخَّر

قليلا

**********

أُحَاجِجُ امرأةَ حبِّي

عمَّا يهترئُ في قلبِها الجامحِ فتغضب

وإنَّ ما يمضي

لن يعودَ

إلا في قلبِ شاعرٍ

تملَّكتْه الرُّؤيا

وتملَّكه الحبّ

وما بين هذه البيوتِ المتعبِّدةِ للصَّمت

وقد تشقَّقتْ أحجارُها

وغادر العُبَّادُ واحدا خَلْفَ الآخر

كنيستها الجاثمة كحيوانٍ أسطوريّ

يمسك بالشيء المفقود

يعاود إضاءتَه

ويُجلي رؤيةَ الرُّوح

تحت أشجارِ الحدائقِ المهملة

حول هذا الصَّرحِ المهيب.

31 تموز 2004Gent

Ledeberg

ما زال يرهقنا

هذا الشيءُ المُنْسَكِبُ على جبهاتِ الخيول

والمتّقدُ منذ سنينِ الغبارِ والصَّواعق

كلَّ يومٍ ينزل داخل أعماقِ القلب

وعلى الشَّعرِ المنثورِ للرِّيحِ والماء

كلمسةِ الضَّوءِ في مواقعِ الظِّلال

يُحصي أنفاسَ يقظةِ الرُّوح

وعلى جناحِه الهوائيّ

يحمل المسابرَ إلى أغوارٍ سحيقة

كلَّما تباطأ ضَمَّ جناحيه

من أجل المخنوقين بالسُّعالِ والعطورِ ضِدَّ التلوُّث

ثمَّ هناك عند الصَّباح

تستطيع أنْ تمتطي خفَّته

معالجا آثارَ العفن

الذي يُتْلِفُ آثارَك

ويُتْلِفُ استعارَ الوجد

منقذاً أدلَّتَك حين تحاول

منقذا أسرارا كنت تبوح بها والكلُّ ينظر

ومن دون أنْ تعلمَ تتوالدُ الأشياءُ فيكَ ومن حولك

تضع أمام عينيك طريقَ الانطلاق

فتتحسَّس الكتفين والسَّاقين

وتبدأ بمغادرةِ أنفاقِك

تحت نجمةِ الصَّباح

دليلك على هضابِ الرِّمال

دليلك على أطنانِ خيالِك

حتَّى تخرج

مطاوعا نفسَك

بأنْ لا يقتلَك الهمُّ وفقدانُ تركيزِك

وقد ذُقْتَ ما لا تعرفُه أصنافُك

غير عابئ، وهذه إحدى خصالُك

رغم انبعاثِ خوفِك

وأنت تتلاشى.. وأنت تنظر

أنَّ حلاوةَ روحِك تذوب

في جريانِ النَّهرِ الدَّائمِ ما بين أصابِعك

وما بين الجحيمين

شرقُك والغرب

وأنت مثلُ الطِّفلِ لا يدرك

ولا يَعقلُ تَرَدُّدَ أصدائِه

في كلِّ هذه الحقول

بأنَّه ما بين الجموعِ المضطربةِ محضُ حُلْمٍ لا غير.

31 تموز 2004 Gent Ledeberg

* من ديوان لم ينشر كان الشاعر قد جهزه للطبع تحت عنوان “الشيء المفقود وقصيدة الموعد”.

15