الشيخة نور آرتيران امرأة تؤمن بالحب تعد المرجع الأعلى للمولوية في العالم

السبت 2016/10/22
الشيخة نور آرتيران الصوفية تسعف الإسلام وسط دوامات العنف

باريس- تفرض طبيعة الأديان، والإسلام من بينها، نشوء تجمعات وحلقات بسبب الطقوس والصلوات والأفكار المشتركة، مما يدفع المفكرين لإعمال العقل في طبيعة تلك التجمعات التي تبدأ من حلقات الذكر البسيطة لتصعد إلى العشق الإلهي، قبل أن تنحدر إلى العنف في مجموعات الإخوان والقاعدة وداعش. لكن الصوفية تبقى الأكثر قرباً من قلوب الناس، فلا يدور فيها سوى حديث الحب وأخلاقه والوجد والتماهي مع العالم.

الحركات الإسلامية التي تندرج تحت يافطة “الإسلام السياسي” تحاول تركيب ما لا يتركّب، ما بين الدّعوي والبرلماني، وما بين الروحاني والبراغماتي. غير أن بعضها بدأ يغادر هذا المأزق ويتخلص بالتدريج من الوهم الذي وقع فيه مؤسسوها ذات يوم، حين قرروا أن يدخلوا جماعاتهم في المعترك السياسي. ولم تلبث الأمور أن انفلتت عن دوائر الإخوان، الحاضن الأصلي، وجهازهم السري، فتدفقت حركات وسلاسل في كل اتجاه، رافضة حتى السياسي، منتقلة إلى العنفي والجهادي. الصوفية لم تعبر هذا الممر. بل بقيت نائية بنفسها كل النأي عن هذه المسارات المتعرجة القلقة. رغم أن القوى المتحاربة على مر العقود الماضية، لم تقصّر في محاولة جر المتصوفة إلى الصراعات. لكنهم صمدوا.

التغيير تقوم به امرأة

امرأة كلامها يقول الناس عنه إنه “مرهم للقلوب”. هكذا تقع الشيخة نور آرتيران من الأفئدة في مكان، وهكذا تعرّف هي ذاتها مهمّتها. امرأة تركيّة في عقدها السادس، تمثّل منذ عشر سنوات أعلى سلطة روحيّة في الطريقة الصوفيّة المولويّة، نسبة إلى جلال الدين الرومي، الملقّب بمولانا، وهو الصّوفيّ والشاعر والفيلسوف الذي وُلد في مدينة بلخ (أفغانستان حاليّا) سنة 1200 وتُوفّي بقونية التركية سنة 1270.

كتب جلال الدين الرومي العديد من الكتب من أشهرها كتابه “المثنوي” الذي يتضمّن 26 ألف بيت شعريّ، والديوان الكبير الذي يحتوي بدوره على ما يقارب 50 ألف بيت تتحدث جميعها عن حبّ الله وعن العشق كأنجع وسيلة للتقرّب من الله. قال جلال الدين خلال حياته إنّ كلماته عن العشق الإلهي ستصدح في جميع بيوت الله والمعابد على اختلافها. ويبدو أن رؤياه تلك بصدد أن تتحقّق.

فعلاوة على أنّه من أكثر الصوفيين المدروسين في الغرب، تحمل الشيخة نور اليوم رسالته عبر الأقطار في أوروبّا وآسيا وأفريقيا، وتتنقّل في المساجد والكنائس المسيحيّة واليهوديّة والأشرامات. ولقد التقيتها وهي تردّد كلماته بمعبد هندوسيّ في “غريتز” بضاحية من ضواحي باريس، حيث نظّمت جمعيّة إيفا ماييروفتش، وهي مترجمة كتاب المثنوي إلى الفرنسيّة، لقاءها السنويّ مع الشيخة نور آرتيران، كما كرّرت الجمعيّة اللقاء خلال السنة الحاليّة في شهر مارس وفي أواخر شهر سبتمبر الماضي.

المولوية التي تترأسها الشيخة نور متصلة بميراث الصوفي جلال الدين الرومي

في مثل تلك الحلقات، قد تُدعى الشيخة نور إلى إلقاء درس عن الرّوحانيّات وإلى شرح مقتطفات من آثار جلال الدّين الروميّ، لكنّ ذلك غالبا ما يتطلّب أيضا، شرح العلاقة الوطيدة بين ما قدّمه مولانا إلى البشريّة وبين تعاليم الإسلام ورسالة التوحيد التي دعا إليها الرسول محمّد. فجلال الدين الروميّ جاء إلى العالم محمّلا برسالة المحبّة التي تزخر بمعانيها آثارُه، كما جاء غيره من الأولياء والأنبياء محمّلين برسائل مختلفة تتماشى كلٌّ وطبعهُ. وتقول الشيخة نور إنّه لئن تعدّدت الطرق إلى الله، فإنّ الطريق الرّئيسيّ إليه هو طريق المحبّة، وهو منهج يتطابق تماما مع منهج التوحيد.

إذ كما يُشار إلى الفرد باسم واحد، هو اسمه، لا بأسماء مختلف أعضائه وأجزاء جسده، كذلك يجب أن نرى البشر كلّهم على أنّهم أعضاء لجسم واحد. وإذ نحن نُدرك الضرر الذي يصيب المرء إذا ما فُقئت عينه أو قُطعت أحشاؤه، يجب علينا أيضا أن نرى البشريّة جمعاء كجسم واحد وأن نحرص عليها بنفس الطريقة، وذلك هو الأسلوب الأمثل كي نُحبّ البشر جميعهم. إنّ دين الإسلام هو دين التوحيد الذي نرى فيه الكون ككلٍّ واحدٍ، فإذا ما ابتعدنا عن هذه الرؤية واعتمدنا ثنائيّة الأنا والآخر، إنّما ابتعدنا عن الإسلام. ولذلك فإنّ دين التوحيد يقوم على الشهادة بأن لا إله إلّا الله، لا بالقول فحسب، بل كذلك بالفعل حيث تصبح الحياة تجسيدا لهذه الكلمات.

إحياء النفوس

تقول الشيخة نور إنّها تسعى إلى مساعدة الناس على المستوى الروحيّ. تحاول أن تعينهم على أن يعرفوا دواخل نفوسهم، وعلى أن يفهموا من أين أتوا وإلى أين هم ذاهبون ولماذا خُلقوا، وتُسنِدهم كي يَعُوا جوهر ذواتهم، وتُذكّرهم بحقيقة الرّوح. وتضيف “كلّ ما أفعله هو أنّني لمّا أرى شخصاً، أيّا كان، يعاني من الشعور بالفراغ، فإنّي أحاول قُصارى جهدي أن أمدّه بالبعض من الطاقة، فإن أصبت فذلك من عند ربّي وحبّ مولانا، وإن أخطأت فذلك منّي”.

وتقول إنّها تعتمد في ذلك على الآية القرآنيّة ” مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (سورة المائدة، 32). وهي آية يمكن فهمها حرفيّا بمعنى القتل الفيزيولوجي، لكنّ الشيخة نور تفسّرها بالمعنى الروحيّ. فقتل كلّ المشاعر الإيجابيّة في الإنسان أسوأ من قتله بطلقة ناريّة، لأنّ من يتلقّى رصاصة يموت في الحين، أمّا من يقتل المشاعر الإيجابية في نفسه، فهو يذوق العذاب طيلة حياته. ومن يستطيع أن يبثّ الأمل فيه مجدّدا، فهو يُحيي مشاعره الإيجابيّة وكأنّما يبعثه إلى الحياة مرّة أخرى.

المعلم الفاني في الكتب

الشيخة نور آرتيران تُذكّرهم بحقيقة الرّوح

عدوّ المسلم الحقيقيّ، حسب الشيخة نور، هو نفسُه. أو ما تَداول علم النفس الحديث على تسميته بالأنا. وهي تستشهد بالحديث النبوي الذي يروي أنه عندما عاد الرسول من إحدى الغزوات قال لقومه “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس”. في نفس السياق، شبّه جلال الدين الرومي النفس بالكلب المسعور قائلا “ظننت أنني إذا ما طوّقت بسلاسل الندم عنقَ كلب النفس، أعجزته وتفاديت ثورته. إلّا أنّه كلّما رأى جثّة متعفّنة، كسر أغلاله وجرى نحوها.

لست أدري كيف سأتعامل مع كلب النفس هذا” (رباعيّات). فالإنسان حسب الرومي عبد فقير يظهر في مظهر السيّد الحرّ لكنّ يديه وساقيه مكبّلة بأغلال خفيّة تجبره على أن يخدم شهواته وحيوانيّته. كذلك تؤكّد الشيخة نور على أن الإنسان لن يجد الثراء والحريّة والسعادة في العالم الخارجيّ وماديّاته بل بالبحث عن مثل هذه الكنوز بداخله، وهو كلّما اقترب من ذاته الحقيقيّة، تقرّب من الله ووجد محبّته وهي المحبّة الوحيدة الحقيقيّة. فالله قريب منّا، والدّليل على ذلك قوله تعالى ” وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ” (سورة ق، 16).

تُثري الشيخة نور حلقاتها بأفكار مثل هذه الأفكار، ناشرة حولها ما تعلّمته هي ذاتها عن شيخها الرّاحل، شفيق جان، والذّي لم تلتقيه إلّا في عامها الأربعين. وُلدت نور آرتيران في عائلة ذات تقاليد صوفيّة. وقد بدأت تكوينها لدى شيخ صوفيّ من الطريقة الملامتيّة، لكنّها بعد بضعة سنوات اشتاقت إلى تكوين آخر، وطفقت تبحث عن شيخ من الطريقة المولويّة كي يُعلّمها كتاب المثنويّ لجلال الدين الروميّ. وتقول الشيخة نور، التي لا تتوانى عن إعادة قصّ حكاية لقائها مع شفيق جان كلّما طُلب منها ذلك، تقول إنّها لمّا سمعت اسمه، وقع وقعاً خاصّا في قلبها وعرفت في الحال أنّه الشيخ الذي يلزمها، وهي تؤكّد أنّها لم ترَ يوما إنسانا فنيَ في كتابٍ مثلما فني شفيق جان في كتاب “المثنوي” حتّى صار هو ذاته كتاب “المثنوي”.

الشيخة نور آرتيران تشبّه حقيقة العالم بالجسد الواحد متعدد الأعضاء

كان في التسعين من عمره عندما التقيا، وبعدما قبل بأن يكون شيخها، تحوّلت إلى منزله، وسكنت لديه حتّى وافاه الأجل. أي بعد تسع سنوات قطعت خلالها كلّ علاقاتها الأخرى وكان هو أولى أولويّاتها. وبحكم تمكّنها من الموروث الرّوحي المولويّ، أوصى شفيق جان قبل مماته في وصيّة منشورة، بتسمية نور آرتيران كمرشدة روحيّة للطريقة المولويّة. وقد صارت اليوم ثاني امرأة تحتلّ هذا المنصب منذ نشأة الطّريقة قبل 800 سنة.

تقول إنّ الصّوفيّة هي العلم الذي يسمح للمرء بأن يتواصل مع ذاته. فهي تعلّمه بأن يعيش في سلام مع نفسه، ومن لم يكن في سلام مع نفسه، فلن يستطيع أن يكون في سلام مع العالم الخارجيّ. الحريّة في عالمنا الدّاخليّ ضروريّة كي نعيش بحريّة بين النّاس، ومن كان عبدا لذاته أو لأناه، لن يستطيع أن ينفع المجتمع بشيء، مهما كانت حريّته في العالم.

ماذا تقدم الصوفية اليوم للعالم

إنّ من يلتقي الشيخة نور، يتسنّى له أن يرى أنّ أقوالها هذه متبوعة بالفعل، وأنّها، على غرار كبار المعلّمين الرّوحيين، تشعّ هي ذاتها سكينة وطمأنينة، تضفيهما على كلّ من يتواجد حولها. وكثيراً ما تحدثت عن الحروب بين الأديان مشددة على أهمية الوحدة، ومبدية الحكمة من وراء التعدد في أجمل صورها من خلال حكمة تقول “الناس كلهم في هذا العالم كشجرة مثمرة ولا تكون الشجرة شجرة إلا بأوراقها وأزهارها وأغصانها وجذورها مجتمعة غير منفصلة، وإلا فسيبقى الورق ورقا والثمرة ثمرة والغصن غصنا والجذر جذرا. ولكن برؤيتهم مجتمعين نرى الشجرة في عليائها”.

الشيخة نور تشبّه حقيقة العالم بالجسد الواحد متعدد الأعضاء. تقول إن معاناة ما في جهة ما، ستجعلنا نشعر بها في جهة أخرى من العالم، فالإصبع رغم ضعفه بالنسبة إلى الجسم، إلا أنه إذا أصابه الألم فالجسم كله سيتألم بآلامه. صورة الإسلام الراهنة بعد صعود داعش ونظيراته، وبعد أن فتكت الأنظمة الإسلامية ببعضها البعض وبشعوبها على حد سواء، ليست قريبة من الصورة الإيجابية، لولا ذلك الضوء الخافت الذي يأتي من تاريخ مشرف، أو مستقبل مأمول، ولولا تلك اللمسة الرقيقة ليد الصوفي على صدره وهو يتفقد قلبه.

12