الشيخوخة ثيمة روائية

إبداع الروائيين يكمن في تحويل علامات الشيخوخة إلى علامات فارقة في درب الرواية وعالمها الثريّ، بحيث تكون كلّ مرحلة من مراحل حياة الإنسان عالماً متكاملاً.
الاثنين 2018/02/26
الشيخوخة يمكن أن تكون مرحلة هادئة في حياة الإنسان

تتحوّل الشيخوخة التي تكون مرحلة عمرية إجباريّة في رحلة الإنسان الطبيعيّة إلى حتفه، إلى ثيمة روائيّة لدى عدد من الروائيين عالجوا آثارها على البشر، والخوف المزمن ممّا يوصف بأرذل العمر، ذاك الخوف الذي يسكن أعماق الكثيرين، وقد يتسبّب بتحويل واقعهم إلى قلق متجدّد، وصراع دائم من أجل تلافي الهزيمة الحتميّة في معركة الحياة أمام سلطة الزمن القاهرة.

كيف يمكن للإنسان تطويع مراحل حياته متقبّلاً واقع الزمن وفروضه بعيداً عن تبديد الوقت في تحدّي ما يبدو تحدّيه ضرباً من الجنون في واقع الحال؟ هل يرتكن لليأس ويقعد بانتظار الشيخوخة أم يتأقلم مع واقعه ويتقبّل ما ينقله الزمن إليه مرحلة بعد أخرى؟ هذه الأسئلة وغيرها شكّلت مفاتيح روائيّة لعدد من الأدباء ليغوصوا عميقاً في عوالم كبار السنّ ويظهروا ما يجول فيها من تحديات ومكابدات.

عالجت التشيلية إيزابيل اللينيدي في روايتها “العاشق الياباني” كيف أن الشيخوخة يمكن أن تكون مرحلة هادئة في حياة الإنسان، كما قد تصبح مرحلة عاصفة عاتية مجنونة. تورد نماذج من حالات عاشها بعض كبار السن والعجائز، منهم مَن لم يتمكن من التصالح مع ضعفه وشيخوخته فاختار الموت ليرتاح ويريح، وهناك مَن تقبل الأمر وتفهمه، وتعاطى معه كمرحلة لا بد منها في رحلة الحياة الثرية.

اختارت الليندي مركزاً خاصاً للمسنين في سان فرانسيسكو ليكون رمزاً لمقاومة الزمن وتقبّل آثاره، نقلت معاناة العشرات من المسنين الذين أدّوا أدواراً هامة في زمنهم، وتقبلوا سلطة الزمن عليهم، وكيف يتعايشون مع شيخوختهم وعجزهم بثقة بعيداً عن وساوس العودة بالزمن إلى الوراء، أو بعيداً عن لعنه والسخط عليه وعدم تقبل واقع الحال. وقد صوّرت قسوة الزمن ووحشيته التي تتفوق على أيّ وحشية أخرى، وترمز إلى أن السلاح الوحيد الذي يمكن به تحدي سلطة الزمن وتأثيراته المفجعة هو الحب المتجدد غير المحدود، والعطاء الذي يمنح معنى للحياة، ويهبها قيمة إنسانية راقية تكسب أصحابها حضوراً دائماً في ذاكرة المحيطين بهم، بحيث يتغلب الذكر الحسن على الفقد المفجع.

قارب الروائيّ الجزائريّ الطاهر بن جلون في روايته “حين تترنّح ذاكرة أمّي” مرحلة الشيخوخة من زاوية مختلفة، من خلال تصويره المتغيّرات التي طرأت على حياة أمّه بعد إصابتها بمرض الزهايمر اللعين، وكيف أفسد ذاكرتها، وبلبل واقعها، وكان أثراً مدمّراً من آثار الشيخوخة، لكنّه اتّخذه معبراً لاستعادة أمّه وتاريخ حقبة كاملة معها.

يكمن إبداع الروائيين في تحويل علامات الشيخوخة إلى علامات فارقة في درب الرواية وعالمها الثريّ، بحيث تكون كلّ مرحلة من مراحل حياة الإنسان عالماً متكاملاً يكتسب تجدّده وتفرّده في رحلتي الحياة والأدب معاً.

15