الشيخ المتقطرن والوزير المتمصرن

الأحد 2014/02/02

قال دبلوماسي لصديقه يوما: مهنتنا بديعة فيها من صنوف التلاعب بالكلمات ما يجعلنا نفتخر ببعضنا بعضا، حتى لو كنّا من أطراف مختلفة. فالدبلوماسي يسعد حين يسبقه نده الآخر في ابتداع كلمات لا تعبر عن الواقع، لكنها تبدو واقعية.

وزير الخارجية القطري خالد العطية جديد على الوزارة، وصلها بعد أن لطخ الوزير السابق جدرانها بأقاويله الغريبة والمتضاربة، والتي تتحدث عن حقوق الشعوب، بينما لا يعثر من يطلّ من نافذة مكتبه على ما يعكس ذلك.

العطية صرح في التلفزيون القطري قائلا إن يوسف القرضاوي لا يعبّر عن السياسة الخارجية لدولة قطر. وما دعا العطية إلى التصريح بذلك هي التجاوزات التي قام بها رجل الدين الذي شن على كل دولة الإمارات والمملكة السعودية حملة تجاوزت جميع الأعراف الخليجية، دبلوماسية وأخلاقية.

يعيش القرضاوي في قطر منذ عشرات السنين، وتم “تقطيره” أو “قطرنته” حسب أوامر أمراء البلد الجد فالوالد فالحفيد. ويلعب القرضاوي دورا يتجاوز وظيفته الدينية إلى وظائف سياسية، فيقوم بشحن الشباب لينقلبوا على استقرار أوطانهم، ويجرّد من الدوحة حملات لصالح التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. لا يوجد مهتم بالشأن العام في الخليج العربي إلا وعرف أن القرضاوي لاعب سياسة، ينفذ لقطر رغباتها، ويساعدها على تحقيق تحالفاتها الغريبة المتفقة مع السياسة الأميركية في دعم الإخوان المسلمين كخيار ضد السلفيين الذين أضروا بمصالح أميركا. كانت هذه مهمة قطر التي عكف القرضاوي على تنفيذها، فمن أين للعطية أن يدعي أن القرضاوي لا يمثل السياسة الخارجية القطرية. القرضاوي، باختصار، موظف في الديوان الأميري القطري. مسؤول عن التنظيم الدولي، وإدارة لعبة الإخوان، والفتنة في الدول العربية.

لا يمكن فصل القرضاوي عن السياسة الخارجية القطرية وعن تمثيل المصالح القطرية. فرجل الدين المصري “المتقطرن” لا يعيش في لندن فيمثل نفسه ويتحدث حسبما يريد. هو يتنفس هواء الإخوان في الدوحة ويقود الجموع ويستضيفهم هناك بتمويل كريم من الديوان الأميري.

ولو كان الأمر بخلاف ذلك لوجب السؤال: هل أصبحت الدوحة واحة حرية يستطيع كل شخص فيها التعبير عن آرائه. ماذا عن الشاعر ابن الذيب والخمسة عشر عاما سجنا لمجرد اعتبار قصيدته الشعرية رأيا سياسيا؟

وماذا عن الصحفي القطري الذي نزعت جنسيته بسبب مقال.

ماذا عن آلاف القطريين الذي تم رميهم خارج الحدود القطرية بسبب انتمائهم القبلي.

تصور لو أن قطريا أقام في الدوحة ندوة ضد الإخوان المسلمين وطروحاتهم. تصور لو أن هذا القطري ناقش سياسة بلده الداعمة للإخوان. هل سيعود إلى بيته دون خمسة عشر عاما من الاستضافة الكريمة في زنزانة. قد يضحك وزير الخارجية العطية، بتصريحاته، على من لا يعرف قطر، لكن على الخليجيين لا يمكنه ذلك. وقد يكون الوزير الذي انغمس في الشؤون المصرية سلبا وإيجابا قد تمصرن من حبه وشغفه بمصر وتأثر بإحدى المسرحيات هناك وخاصة “العيال كبرت” حيث يمارس الصغار أفعالا متمردة لكنهم في المسرحية يندمون في النهاية حين يشعرون بأن البيت ينهار، فيرممون ما نقضوا، بينما جارنا العزيز لا يزال يمثل في الفصل الثاني من المسرحية.

ما من أحد منا في الخليج يلوم مسؤولا لاستضافته من شاء أن يستضيف في بلاده، فمن حق هذا المسؤول الأخذ بأعراف الجيرة العربية، لكن ليس من حقه تحويل بلاده إلى منصة ينصب فيها المستجير منجنيقا يطلق منه الشتائم هنا وهناك، ولا غرفة سوداء لحياكة المؤامرات ونشر الفتنة بين الأشقاء. لم يبق ناعق أو مخرب ضد وحدة الخليجيين إلا وضمته الدوحة، وهي البلد الذي نعرف طيبة أهله وحبهم لأهلهم في الخليج، وحرصهم الكبير على حماية أمنه.

القطريون لطالما التزموا بأعراف الخليج الحقة، وميّزوا الخطوط الحمراء التي لا يمكن اجتيازها، والتاريخ يشهد على التعاضد الخليجي إبان أزمة الكويت، لكن القلوب الخليجية في الوقت الراهن تمتلئ بالبغضاء، والسبب ما يصدر من الدوحة وهو دليل ضعف الإدارة القطرية والخلل الذي أصاب مشهدها السياسي، وعلامته الأحدث تلك التخبطات التي وصلت بالإمارة إلى حد التدخل في الشأن المصري وممارسة التحريض، بل ودعم المتطرفين هناك قولاً وعملاً.

وبدهي القول إن هذه الأعمال إنما تلحق أكبر الضرر بالخليج وأهله، وهو ما يجعل قادته يوجهون انتقاداتهم لسياسات قطر المغامرة، منبهين ساستها بأن لا يبالغوا في غيّهم، ولا يذهب بهم الاعتقاد بأن الإمارة الصغيرة يمكن أن تكون في مأمن من الانعكاسات السلبية لأخطائهم السياسية الجسيمة، فلو خسرت قطر أشقاءها في الخليج، فمن سيقف معها غدا إذا ما تفاقم الأمر مع مصر إلى ما لا تحمد عقباه.

يلاحظ المراقبون أن المواطن القطري يخفي جنسيته حين يقوم بسياحة في العالم العربي، وحتى في أوروبا، فيقدم نفسه بوصفه سعوديا أو إماراتيا، بينما واقع حال حكومته أنها تسهل لمن يحرض على هذين البلدين، وتدعمه.

من يراقب الوضع الخليجي جيدا لا بد له أن يستنتج أن العلاقة بين قطر وجوارها ليست بخير، ولا بد له أن يخشى، بالتالي، على قطر من أن تقودها أخطاؤها المتكاثرة إلى السقوط في شر أفعالها فمن يزرع الشوك لابد أن يجرح يديه وهو يحصده.

حمى الله قطر وأهلها الكرام من شرور الفتنة.

3