الشيخ اليعقوبي مرجع ديني شيعي حزبه يسيطر على موانئ العراق وثرواته

الأحد 2016/07/17
الشيخ اليعقوبي من الهندسة المدنية إلى العمامة وفتوى "النفط مال سائب"

بغداد- وزير العدل العراقي حيدر الزاملي القيادي في حزب الفضيلة الإسلامي، أعلن قبل أيام قليلة، أن الوزارة تنفذ أحكام الإعدام الصادرة بحق المحكومين بتهم الإرهاب، بلا تردد أو تأخير حال اكتمال الإجراءات القانونية المتعلقة بها، قائلاً “لا نساوم على الدم العراقي مطلقاً”، مطالباً السلطة التشريعية بإجراء تعديلات على القوانين المعرقلة لتنفيذ أحكام الإعدام، وأن تتمّ مصادقتها ونشرها لتدخل حيز التنفيذ.

وذكر الوزير الزاملي خلال مؤتمر صحافي عقده في مبنى وزارة العدل، أن وزارته “لا تتعامل بردود الأفعال تجاه قضايا السجناء المحكومين بالإعدام، وفي ذات الوقت فإنها تنفّذ القصاص العادل تجاه المدانين الصادرة بحقهم أحكام حال اكتمال الإجراءات القانونية والمصادق عليها من الجهات ذات العلاقة”.

الميليشيات كانت قد قررت تنفيذ تلك الأحكام بنفسها، فاقتحمت ميليشيا “أبو الفضل العباس” الشيعية، سجن الناصرية في جنوب العراق، للمطالبة بإعدام المحكومين بالإعدام بتهم الإرهاب. كما ورد في بيان أوس الخفاجي قائد تلك الميليشيا.

حزب الفضيلة الإسلامي ذاته، كان قد طالب مؤخراً، بتغيير قانون الانتخابات ليكون أكثر عدالة وتمثيلا لإرادة الناخبين، واعتبر أن هذا التغيير هو الخطوة الأولى من خطوات الإصلاح الحقيقي. في سبيل تغيير الوجوه التي تحكمت بالمشهد السياسي وإنتاج نخبة سياسية جديدة، قال الأمين العام لحزب الفضيلة هاشم الهاشمي في بيان صحافي إن “ما يؤسف له تحول عدد من القيادات السياسية المجاهدة إلى تجار مصالح، ما أدى إلى انحراف كبير في الخط الجهادي وسيادة الفوضى وغياب سلطة القانون والدولة واختلال ميزان العدالة الاجتماعية”.

حزب الفضيلة الذي يعدّ حزباً سياسياً قوياً في العراق، كان قد تأسس على يد رجل ارتدى العمامة بعد عام 2003 واصطدم بادئ الأمر بالتيار الصدري، ثم سرعان ما انسحب ليشكّل ميليشيا متخصصة بالآثار والنفط العراقي، مستغلا فتوى بعض مراجع الشيعة التي اعتبرت النفط مالا سائبا، ومن حق أيّ شخص عراقي استثماره وبيعه، فعمل عليها بحزم، وتمكّن من الاتصال بالحاكم الأميركي بول بريمر، والأخير اقترحه لينضم إلى مجلس الحكم، أوّل تشكيل بعد الاحتلال، لكن أعضاء المجلس رفضوا قبول عضويته. شكّل ذلك الرفض صدمة قوية له، جعلته يبحث سريعاً عن مصادر للقوة والدعم، تمكّنه من التسلل إلى التشكيلة الحكومية، فوجدها بمباركة بريمر وبالإعلان عن تأسيسه لحزب جديد.

حزب الفضيلة القوي يعتبر الوسيلة الأقصر إلى منابع السلطة والحكومة والنفوذ بالنسبة لليعقوبي. إذ بادر ممثله وأحد قيادييه، حسين المرعبي، خطيب جامع المنطقة الخضراء، منذ لحظة تأسيس الحزب الأولى، إلى القول علنا في خطبته، بأنهم يطلبون مناصب وزارية في النفط والتجارة والسياحة والآثار، مبررا طلبه بأنهم حزب ناشئ جديد

الفضيلة

إنه الشيخ اليعقوبي مؤسس حزب الفضيلة، الذي عثر على الوسيلة الأقصر إلى منابع السلطة والحكومة والنفوذ بتأسيسه لتيار سياسي، بادر ممثله وأحد قيادييه، حسين المرعبي، خطيب جامع المنطقة الخضراء، إلى القول علناً في خطبته، بأنهم يطلبون مناصب وزارية في النفط والتجارة والسياحة والآثار، مبررا طلبه بأنهم حزب ناشئ جديد، وبحاجة إلى الأموال والدعم. كما سارع نديم الجابري، أمين عام هذا الحزب الجديد إلى تشكيل مكتب للحزب في مدينة البصرة، بجوار آبار النفط. فتوّج جهده بحصوله هو على منصب محافظ البصرة.

وجد اليعقوبي في الائتلاف الشيعي الغطاء الأرحب والأوسع لتحقيق طموحاته، فحدّد مساره ومسار حزبه داخل الائتلاف بأنهم أصوات تذهب لمن يقدم الدّعم الأكبر. وفي أزمات التصويت والخلافات كان اليعقوبي يبرز ليحسم بأصواته النزاع بين المختلفين، كما حدث بين التحالف الشيعي الذي يمثله المالكي، وخلافاتهم مع الأحزاب الكردستانية. إذ طلب اليعقوبي من المالكي على لسان مبعوثه ومرسله حسن الشمري أن يمنحهم، كحزب، مبلغا من ملايين الدولارات كعربون مودة وتفاهم، إضافة إلى تخصيص مناصب هامة في وزارات الدولة، والأغرب أن الشخص المفاوض باسم الشيخ اليعقوبي حسن الشمري، قد أصبح بعد هذه المفاوضات وزيرا للعدل.

ولد الشيخ محمد اليعقوبي في النجف عام 1960، وانتقل إلى بغداد طفلاً، كان والده يعمل مع مهدي الحكيم، ابن المرجع محسن الحكيم في الكرادة الشرقية ببغداد في الشأن الاجتماعي. وبعد تخرج ابنه محمد من كلية الهندسة المدنية، رفض الانخراط في الخدمة العسكرية الإلزامية، باعتباره كان ينظر إلى الحرب الإيرانية العراقية على أنها عدوان ضد نظام الوليّ الفقيه.

ارتدى العمامة بداية تسعينات القرن العشرين، ودرس على يد الصدر والسيستاني ومحمد إسحق الفياض والغروي. ويقول عنه العلماء إن العمر الحوزوي الذي قضاه، لا يؤهله لمرتبة الاجتهاد المطلق. فقد قضى سنة ونصفا في طلب المقدمات والسطوح، ويضيفون إن محاضراته تخلو من العمق والدقة والمتانة، وإنه إنما أعلن اجتهاده بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

مرجع النفط العراقي

يتحدث العامة في بغداد، باستهجان عن محاضرات اليعقوبي التي يبيح بها استثمار النفط العراقي ذاتياً، باعتباره مالا سائبا للجميع، وكذلك الحديث عن منعه من دخول دولة الكويت مؤخرا في محاولة منه لسحب الملايين من الدولارات التي له في الكويت عن بيع النفط المنهوب والآثار العراقية المسروقة، حتى صار الناس في التظاهرات وفي التجمعات العامة والمقاهي يسخرون من حزبه الذي يحمل اسم “الفضيلة”.

تسيطر ميليشيا حزب اليعقوبي على جميع الموانئ العراقية، وعلى شركة نفط جنوب البصرة وشركة الحفر والتنقيب العراقية ومصفى الشعيبة وباقي المنشآت النفطية، لكنه يتقاسم بعضها مع جماعات سياسية أخرى تحكم البلاد، لتنشأ باسم فتوى “النفط” ميليشيا عملاقة، وضعت يدها كذلك على شركة البتروكيمياويات وشركة الأسمدة وشركة الحديد والصلب وشركة الغاز وغيرها، ونفذت عبر الرشاوى الكبيرة إلى كل منافذ الدوائر الأمنية والاقتصادية، حتى صار العديد من مديريات الشرطة وقياداتها، يعمل بما يأمر به حزب اليعقوبي.
عام 2005 شارك حزب الفضيلة في الانتخابات، ووصل أعضاؤه بقائمة مغلقة، ضمن جوّ من الاستقطاب الطائفي، إلى نيل وزارة النفط بإشراف ومباركة أميركية مباشرة. ومن بعدها لا يمكن لعراقي يبحث عن وظيفة في تلك الوزارة إلا أن يجلب كتاب تأييد من الحزب يؤكد ولاءه وانضمامه إليه.

شاهد من أهلها

وزير النفط العراقي الحالي يقول إن تفاقم ظاهرة سرقة النفط العراقي، وضعف الإجراءات الرادعة للحد منها، جعلت المواطن يعاني من أزمات اقتصادية وأمنية كبيرة، بحكم كون 95 بالمئة من ميزانية الدولة معتمدة على واردات ذلك النفط، كما أشار وزير التخطيط إلى أن سرقة وتهريب النفط العراقي تؤثر بشكل مباشر على إضعاف إمكانات الدولة، وعلى عدم قدرتها على معالجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية للمواطن العراقي، والمشكلة تكمن في هيمنة عصابات وتكتلات سياسية على عمليات التهريب والسرقة، وتبديد ثروة البلاد، لدعم العشرات من الميليشيات في البلاد.

تقرير "مجموعة الأزمة العراقية" يثبت أن الصدريين يسيطرون على ميناء أبو فلوس، الذي يعتبر المركز الرئيس لتصدير النفط الخام الذي يباع في الأسواق السوداء. فيما يسيطر حزب الفضيلة على ميناء أبو الخصيب العميق الذي ترسو فيه السفن الكبيرة، وعلى المنافذ الرئيسية الكبرى لتصدير النفط

ينتج العراق يوميا أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يومياً، يذهب نصفها إلى جيوب السرّاق الذين ينشئون الميليشيات التي تشرف عليها وتديرها إيران، على حساب المواطن البسيط الذي يعاني من انعدام الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والطاقة والصحة والغذاء وسواها.

كل حزب من الأحزاب الطائفية التي تحكم العباد والبلاد منذ ثلاثة عشر عاماً، يمتلك مرجعا دينيا مختلفا عن الحزب الآخر. وحين ينهب المسؤول الفلاني أو الوزير الفلاني أموال مشروع ما، يمنح أول ما يمنح مبلغ الخمس إلى مرجعه الديني في الحزب. فيصبح المال المسروق من بعد ذلك حلالا (كما يظن المسؤول الفاسد). وهكذا في بقية الأحزاب والتكتلات الحزبية الأخرى.

صادف أن انشق عن حزب الفضيلة، محافظ البصرة السابق محمد مصبح الوائلي، وهو العارف بالكثير من أسرار ملفات تهريب النفط العراقي، والمقرب إلى الشيخ اليعقوبي، فنهاه الأخير عن هذا الانشقاق أو التمرّد، لكن المحافظ لم يتراجع عن قراره، فطالبه اليعقوبي بتسليم كل الملفات التي بحوزته، فرفض المحافظ ذلك أيضاً، ظنّا منه أنها ضمانة بعدم اغتياله بحكم امتلاكه لتلك الملفات والأسرار. لكن محافظ البصرة المنشق، أغتيل في اليوم التالي، ووسط مدينته البصرة بمسدس كاتم للصوت، وقد ألقت القوات الأمنية القبض على المنفذين، ولكنهم هرّبوا بعد أيام من الاعتقال.

المحاسبة المؤجلة

حيثما يكون لحزب الفضيلة وزير، فثمّة حريق سينشب في يوم ما بتلك الوزارة. وحصرا في الطابق المخصص للوثائق والعقود والمستندات، كما يردد غالبية العراقيين. فكلما قيل عن لجنة نزاهة ستحقق بعقود وصفقات، نسمع عن نشوب حريق ضخم، في وزارة تابعة إلى حزب اليعقوبي، كما حدث في حريق وزارة النفط وخصوصا في طابق الوثائق، وفي حريق وزارة العدل، وحريق وزارة التجارة وهكذا.

كان الشيخ اليعقوبي من أوائل من دعوا إلى تشكيل الميليشيات الخارجة عن إطار مؤسسات الدولة، وسبق وأن قال في بيان أصدره في العام 2014 إننا “نثق بقدرة قواتنا المسلّحة على فرض الأمن في ربوع الوطن ولكننا نرى أنّ التحدّيات الراهنة تستدعي تشكيل جيش رديف للقوات المسلّحة وساندٍ لها في عملياتها”، مضيفاً “يجب أن يكون له قادة مهنيون وأكفاء ويزوّد بتجهيزات متطوّرة ويحظى بتدريب عالٍ ويستوعب الشباب العقائديين المتحمسين للدفاع عن أهلهم ووطنهم ومقدّساتهم”.

لكن اليعقوبي وفي البيان ذاته، طالب بعدم فتح المواضيع الحساسة حالياً، والتي تطال مكافحة الفساد والمحاسبة، حين قال “لا يمكن أن تحلّ المشاكل والعقد إلاّ بحلول جذرية استراتيجية يطمئنّ إليها الشعب بكل مكوّناته، ويشعر أنه بأيدٍ أمينة رؤوفة قادرة على أداء المسؤوليات المكلّفة بها. وهذه الحلول الاستراتيجية لا يمكن الخوض فيها الآن ونحن نتعرّض لهذه الهجمة الوحشية الشرسة، إذ أنّ الوضع الراهن يحتاج إلى موقف حازم وحكيم من خلال تكاتف الجميع، لطرد الهمج الرعاع واستئصال وجودهم الخبيث وحماية أهلنا ومدننا ومقدّساتنا من غزو البرابرة”.

حزب الفضيلة الإسلامي ذاته، كان قد طالب مؤخراً، بتغيير قانون الانتخابات ليكون أكثر عدالة وتمثيلا لإرادة الناخبين، واعتبر أن هذا التغيير هو الخطوة الأولى من خطوات الإصلاح الحقيقي

أهل البصرة أدرى بشعابها

يتداول أهل البصرة التعليقات الساخرة، بحق اليعقوبي وحزبه، فيطلقون على حزب الفضيلة اسم “حزب البنزين الإسلامي”. بسبب أهمية النفط للشيخ وحزبه. رئيس هيئة النزاهة السابق موسى فرج اتهم الشيخ صباح الساعدي رئيس لجنة النزاهة في مجلس النواب والقيادي في حزب الفضيلة، بأنه وقياديين في البصرة يتلكأون بمتابعة تهريب النفط في البصرة.

ومما لاشك فيه أن الصراع الذي يتخذ شكلاً سياسياً، تتحكم به المحاصصة النفطية، ما بين القوى والميليشيات المسيطرة. وقد أورد تقرير “مجموعة الأزمة العراقية” الصادر عن معهد صحافة الحرب والسلم في الـ7 من سبتمبر العام 2007 أن الصدريين يسيطرون على ميناء أبو فلوس، الذي يعتبر المركز الرئيس لتصدير النفط الخام الذي يباع في الأسواق السوداء. فيما يسيطر حزب الفضيلة على ميناء أبو الخصيب العميق الذي ترسو فيه السفن الكبيرة، وعلى المنافذ الرئيسية الكبرى لتصدير النفط.

تغيير ديمقراطي

الشيخ اليعقوبي مفتي النفط العراقي، يحرسه اليوم مئة وعشرون رجل أمن، وموكب ضخم من السيارات المصفحة الحديثة، مرتّب الحارس الواحد منهم يبلغ تسعمئة ألف دينار عراقي. وبعد ثلاثة عشر عاما ً من أعوام التغيير “الديمقراطي” الذي جلبته أميركا مع تلك الزمر السياسية، يعاني الشعب العراقي من مآس وويلات لا تعدّ ولا تحصى، تتوالى عليه كل عام بشكل مغاير، حتى أصبح العراق بخيراته وثرواته نهبا لمن يشاء، وما عليه سوى تأسيس حزب طائفي مدعوم بميليشيا، لتأتي الفتاوى المأجورة وتكمل وتبرّر وظيفة السارق والفاسد واللص، تلك الفتاوى التي لا تتوافق مع أبسط العقول، وأبسط مفاهيم المنطق والعلم والوطنية.

غير أن كثيراً من المراجع الدينية الشيعية العراقية وقفت ضد اتجاه اليعقوبي، ورفضت تذليله للفتوى لصالح المنفعة، كما في فتوى السيد كاظم الحائري التي جاء فيها “لا يجوز تقليد الشيخ محمد اليعقوبي ولا يجوز تسليم الحقوق إليه بعنوان مجتهد. ولا يمكن الاعتماد على فتاواه لأنّه غير مجتهد”.

8