الشيخ راشد آل خليفة الرسام في نضارة عاطفته

الأحد 2018/02/04
الشيخ راشد آل خليفة فنان الرسم الخالص

قبل سنين طويلة، حين رأيت إحدى لوحاته لم يكن أمامي سوى أن أصرخ “إنه ماتيس عربي”.

قلت لنفسي “هذا رسام سعيد، في الرسم وقبله في الحياة” وهي الفكرة التي شدتني إليه وصرت أتابع رسومه القليلة.

الطبيعة بمزاج شخصي

كان الشيخ راشد آل خليفة الذي يقيم معرضا شخصيا هذه الأيام في قاعة أيام بدبي، يرسم الطبيعة بمزاج شخصي. ذلك المزاج الذي يتيح لنا التعرف على خبايا خيال اليد التي ترسم.

كانت تلك الرسوم ذات الطابع الحداثوي تحيلنا إلى أسباب للذة، كان الرسم في العالم العربي قد كف عن العودة إليها بسبب انشغاله بالكوارث الإنسانية.

راشد آل خليفة كان يعيدنا إلى ما نسيناه من متع بصرية. وهو في ذلك إنما يقف وحده، لا بين رسامي بلده البحرين فحسب بل وأيضا بين الرسامين العرب.

فهو يقيم صلة شفافة ورقيقة بين الطبيعة كما يمكن أن يتخيلها الرسم وبين ثقافة العين التي تستخرج من المرئيات خلاصة جمالها الخفي.

بدت رسومه إلي أليفة كنداء منزلي وخفيفة كإيماءة محب. تلك رسوم ضرورية، رسوم تقاوم الواقع القبيح بقوة الرسم وفكرة الجمال وهي في الوقت نفسه تنتقل بنا إلى مناطق لم يغامر الرسامون العرب في الدخول إليها والبحث في تفاصيلها والتعرف على حقائقها.

وإذا ما كان الفنان البحريني قد انتقل بأسلوبه منذ سنوات إلى نوع بارد من التجريد فلأنه كان منذ بداياته يميل إلى التجريد.

وقد يكون موقفه الحذر من المدرسة الانطباعية التي لا يخفي إعجابه بها قد وهبه نوعا من الصلابة في مواجهة إغراء العاطفة التي ينطوي عليها الشغف بالطبيعة.

وهو ما حدا به إلى أن يسير بتجربته في سياقها الطبيعي منهيا إلى التجريد، الذي ينطوي على الكثير من الحس الشاعري بالرغم من استناده إلى نظام بصري، يتميز بعقلانيته.

المولع بعواصف تيرنر

ولد آل خليفة في المنامة عام 1952. وشغف بالفن في سن مبكرة من حياته. تعود أول لوحة عرضها إلى عام 1966. وكانت تلك اللوحة تمثل أحد مساجد المنامة. درس الفن في جامعة برايتون ببريطانيا.

رسومه ذات الطابع الحداثوي تحيلنا إلى أسباب للذة. وقد كان الرسم في العالم العربي قد كف عن العودة إليها بسبب انشغاله بالكوارث الإنسانية. أما آل خليفة فيعيدنا إلى ما نسيناه من متع بصرية

وهناك شده الرسام البريطاني وليام تيرنر إلى عالمه الذي هو مزيج من الطبيعة وتجريدها في إطار حساسية بصرية لا تكتفي بالتقاط المرئيات بل تمضي في تأملها إلى درجة تفكيك عناصر الطبيعة الجمالية.

وهو الدرس العظيم الذي سعى آل خليفة إلى تعلمه والاستفادة منه في تطوير أسلوبه الشخصي، ذلك الأسلوب الذي لا يمكن العثور على أساس له في التجربة التشكيلية البحرينية بالرغم من غناها.

وبالرغم من ولعه بالصحراء فقد حاول أن يرسم ما يراه بطريقة مختلفة لا تقيم مسافة بين ما هو محلي وما هو عالمي. لذلك يمكن اعتباره طائرا غير منتم لسرب بعينه.

أقام معرضه الأول عام 1970 في فندق دلمون بالمنامة. عام 1983 تأسست جمعية البحرين للفنون التشكيلية فكان آل خليفة أول رئيس لها، وهو الآن يشغل منصب الرئيس الفخري.

أقام أكثر من عشرة معارض في بلده وفي العالم، غير أنه يعتبر نفسه مقلا. لذلك لم يتخل عن لوحاته عن طريق البيع، وما يملكه الآخرون من لوحاته جرى عن طريق الإهداء. حكمته في ذلك أنه لا يريد أن ينافس الفنانين البحريين في ذلك المجال. تكفيه متعة شعوره بأنه يمارس الشيء الذي ملك حياته.

راشد آل خليفة يتلمس طريقه إلى الجمال من خلال موضوعات غاية في البساطة

تميز آل خليفة عن سواه من الفنانين البحريين بنزعته التجريبية. إنه ينتمي إلى القلة التي لا تؤمن بأن الأسلوب يشكل ركيزة ثابتة لا تتغير. تجريبيته كانت عنوانا لتحرره من عقدة الأسلوب، بالرغم من أن لوحاته لم تكن تخطئها العين في مختلف مراحله الفنية.

أثر يده الواضح يعلن عن هويته في أعمال، غالبا ما تكون مفاجئة من جهة تقنياتها وموادها وموضوعاتها. المفارقة أن هذا الرسام بالرغم من ولعه بالتجريد فقد كان يتلمس طريقه إلى الجمال من خلال موضوعات غاية في البساطة هي جزء من الحياة اليومية التي يغلب عليها طابع الهدوء والترف والانقطاع عن العالم الخارجي.

لقد وظف آل خليفة كل شيء في خدمة الرسم الخالص. فعل ذلك يوم كان يجد في الطبيعة مصدر إلهام لتأملات عميقة، كانت تسلمه إلى حالة من الإشراق، يكون من خلالها على تماس مع العالم التجريدي الذي طمح للوصول إليه. وهو ما شجعه على أن يبقي العلاقة قائمة بين الطبيعة وانعكاساتها التجريدية في رسومه.

كانت الأشكال التي يخترعها غير منقطعة عن أصولها إلا إذا نظرنا إليها بطريقة متسرعة. ذلك لأنه لا يرسم ما يراه من أجل الوصف المحايد. هذا الفنان يسعى إلى تحويل المرئيات إلى ممتلكات شخصية قبل أن يرسمها. وهو ما يضفي عليها طابعا شخصيا حين تظهر على سطوح لوحاته.

الشيخ راشد آل خليفة الذي يقيم معرضا شخصيا هذه الأيام في قاعة أيام بدبي، يرسم الطبيعة بمزاج شخصي. ذلك المزاج الذي يتيح لنا التعرف على خبايا خيال اليد التي ترسم.

تغير الرسام، لم يتغير

مَن يرى رسومه بعين خبيرة متأملة تدهشه تلك العاطفة التي تنبعث من الأشكال، كما لو أن تلك الأشكال قد عجنت بالمشاعر المرهفة والرقيقة قبل أن تجد طريقها إلى الخارج.

آل خليفة لا يعيد تأليف العالم الذي يراه فحسب، بل هو أيضا يؤثث ذلك العالم بعواطفه الشخصية. أليس من حقه أن يتحاشى الأسلوب الشكلي وقد بلغ تلك الدرجة من التماهي مع عاطفته؟

عام 2010 أقام آل خليفة معرضا بعنوان “اللوحة المحدبة: منظور جيد” ضم المعرض خمسين لوحة. يقول راشد في وصف ما دفعه إلى الانتقال إلى تلك المرحلة التي اعتبرها البعض قفزة في اتجاه المجهول “لقد تغيرت كثيرا، وأنا سعيد جدا، لأن هذه التغييرات تساعد الفنان على التحرك والتطور، ومن لا يفعل ذلك يبقى مكانه، وهذا خطأ، لأنه على الإنسان البحث عن كل ما هو متطور وجديد، وإذا ما نظرنا في تاريخ الفنانين الكبار، مثل بيكاسو، نرى أنه استعمل كل ما يستطيع من أساليب الرسم وأدواته، فرسم على الخشب والسيراميك والورق وحتى أنه استعمل القهوة مادة للرسم. الإبداع في استعمال الوسائل الفنية ليست له حدود، والقاعدة تقول: ابحث… ابحث… ثم ابحث، ولا بد من أن تجد شيئا”.

الأشكال التي يخترعها راشد آل خليفة غير منقطعة عن أصولها

تلك هي الخلاصة التي انتهى إليها الرسام وهو ينتقل بشكل حاسم إلى التجريد الشامل والكامل. أربعون سنة من الرسم كانت كافية لكي تفقد الطبيعة مسوغها للبقاء باعتبارها ملهما مقيما في العمل الفني.

ولا يقع ذلك التحول إلا بناء على حاجة داخلية أملتها ظروف علاقة الرسام بحرفته. قد يُقال “إن راشد تغير” هو ما ورد في كلامه الذي يعود إلى أيام المعرض الذي أعلن فيه عن تحوله النهائي.

ولكن المتابع لتحولاته الأسلوبية لا بد أن يكون على يقين من أن الخيوط لم تنقطع بين ما يفعله اليوم وبين ما كان يفعله بالأمس. هذا فنان ينقب في تحولات المادة بكل ما تنطوي عليه تلك التحولات من سحر وإثارة مثلما كان يفعل تماما حين يتأمل تحولات المرئيات.

لقد تغير فن راشد آل خليفة. ذلك صحيح. غير أن تغيره لا يقع باعتباره انقلابا. كان متوقعا أن يصل الفنان الذي جعل من التجريب طريقا لسيرته في الفن إلى نتائج من هذا النوع. وكما يبدو فإنه تعب من ذلك الصلح الذي لم يعد يغنيه جماليا.

راشد آل خليفة هو اليوم أكثر الفنانين العرب نضارة وشبابا.

9