الشيخ سالم نواف الصباح ومهمة ضبط التوازنات ومواجهات الإسلاميين في الكويت

مهمة رئيس جهاز أمن الدولة الجديد تهدف إلى تطويق فوضى تكاد تعصف بالجهاز بسبب تسرّب الصراعات السياسية إليه لاسيما الصراعات بين أفراد الأسرة الحاكمة.
الأحد 2020/09/27
الشيخ سالم نواف الصباح رجل واحد لقضايا إشكالية عديدة

وجّهت دولة الكويت مؤشر بوصلة الأنظار إليها مجدداً حال الإعلان عن تولي الشيخ سالم بن نواف الجابر الصباح لمهام رئيس جهاز أمن الدولة الكويتي يوم الـ14 من سبتمبر الجاري، بعد وكالته لوزارة الداخلية لشؤون أمن الحدود، والذي يتزامن مع العديد من الظروف التي تواجهها الكويت سواء في الوضع الصحي لأمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أو غير ذلك، مُعيدةً للأذهان أحداث العام 2006 والخلاف العائلي حينها حول تنصيب الأمير سعد العبدالله الصباح أميراً كونه وليّ العهد في تلك الفترة، إلا أن حالته الصحية آنذاك أوجدت أصواتاً تنادي بعدم مناسبته للإمارة مستندة على الدستور الكويتي وما يتعلق بتولية المناصب.

وقد قطعت البلاد شوطاً كبيراً منذ تولي ولي العهد الحالي الشيخ نواف الجابر الصباح؛ ما جعل التركيز منصباً نحو ولاية العهد القادمة والتي استنهضت أسماء ترغب في حيازتها، الأمر الذي يجعل رئاسة جهاز مثل جهاز أمن الدولة مسألة في غاية الأهمية لتولي مهام ضبط التوازنات وتفويت الفرصة على إحداث شرخ آخر شبيه بشرخ العام 2006، وفي أتون واقع تعيشه مقاعد مجلس الأمة وحيازتها من تيارات لم تكن تحظى سابقا بكم المقاعد الحالي.

مؤثرات خارجية

مهمة جهاز أمن الدولة ممثلة برئيسه الجديد تركز على مواجهة خطر الإسلاميين على الدولة وعلاقاتها الإقليمية، وبدعم قوي من التيار المدني الذي أصبح أكثر إلحاحا في مطالبته بمعالجة أي وضع شاذ قد يطرأ
مهمة جهاز أمن الدولة ممثلة برئيسه الجديد تركز على مواجهة خطر الإسلاميين على الدولة وعلاقاتها الإقليمية، وبدعم قوي من التيار المدني الذي أصبح أكثر إلحاحا في مطالبته بمعالجة أي وضع شاذ قد يطرأ

الجناح التابع للإخوان المسلمين مع السلفيين والنواب الشيعة حاز على مقاعد عديدة، الأمر الذي يجعل من كل تيار يبذل الجهد في تزكية ودعم اسم موالٍ له للحصول على أكبر قدر من الصلاحيات. فالإخوان، حسبما يقال، أجادوا إدارة أمورهم مع الدولة، إلا أنهم منذ أن اتخذوا قراراً بالتوقف عن مقاطعة الانتخابات عام 2016 بدأوا السعي نحو الحصول على تدعيم قوتهم ونفوذهم في الكويت بأي شكل من الأشكال حتى لا يتأثر وجودهم في الساحة الكويتية بالتراجع الذي حدث للإخوان في المنطقة بعد الإطاحة بحكمهم في مصر عام 2013.

وفي حال وقوع أزمة حكم بعد رحيل الأمير صباح الأحمد فإن الإخوان سوف يعملون على استثمار هذه الفرصة كلما كان ذلك ممكناً لتأييد شخصية مطروحة تكون الأقرب إليهم، وهنا تتمركز مهمة جهاز أمن الدولة برئيسه الجديد في مواجهتهم، وتوجّهه نحو التنبه من خطر الإسلاميين على الدولة وعلاقاتها الإقليمية، وبدعم قويّ من التيار المدني الذي أصبح أعلى صوتا وأكثر إلحاحا في مطالبته بمعالجة أيّ وضع شاذ يتيح لهم هامشا واسعا من الحركة.

كل ذلك إضافة إلى أجواء تمر بدولة الكويت حالياً بداية بالمسار الاقتصادي الموصوف بالخانق والذي ساهمت فيه العديد من العوامل على رأسها تدنّي أسعار النفط، حيث لا يزال النفط يشكل النسبة الأكبر من إيرادات خزينة الدولة، وما سبّبه هذا التدني من عجز كبير يحدث للمرة الأولى في تاريخ الكويت، حيث تراجع  سعر برميل النفط إلى 30 دولارا عن  سعر الأساس المتوقع بخمسين دولارا في الموازنة العامة، مروراً بجائحة فايروس كورونا التي تسببت في ضغوطات اقتصادية، عوضا عن كشفها لبعض العيوب المتراكمة منذ سنوات في البنية الإدارية والحكومية والتورط في الفساد مما يعطي صورة بأن الوضع الاقتصادي للدولة ليس جيدا.

يأتي تولي الشيخ سالم رئاسة الجهاز لتطويق فوضى تكاد تعصف به، بسبب تسرّب الصراعات السياسية إليه، لاسيما الصراعات بين أفراد الأسرة الحاكمة، التي تشير العديد من المصادر إلى استشرائها بشكل بات يهدّد تماسك الأسرة وتماسك البلاد السياسي، وبتأييدٍ من قبل وزير الداخلية أنس الصالح وبناء على تشجيع سابق منه، رغم وجود أسماء مرشحة سابقة.

وقد طُرح اسم الشيخ سالم للنأي بهذا الجهاز عن كل الشبهات، بعد إزاحة مدير عام الجهاز السابق مع عدد من المسؤولين وتعيين آخر إثر تفجّر فضيحة تجسّس على المواطنين أحدثت دوياً كبيراً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الكويتية التي ربطت الفضيحة بما يدور في البلد من صراعات على السلطة، ومن سباق لتحصيل أقصى قدر ممكن من المكاسب المادية من أقصر الطرق.

تطويق الفوضى

الدستور الكويتي يعطي مجلس الأمة صلاحيات واسعة في حالات خاصة، في حال افتقد ولي العهد أحد الشروط الواجب توافرها فيه أو كان غير مهيأ صحياً لممارسة صلاحياته.
الدستور الكويتي يعطي مجلس الأمة صلاحيات واسعة في حالات خاصة، في حال افتقد ولي العهد أحد الشروط الواجب توافرها فيه أو كان غير مهيأ صحياً لممارسة صلاحياته.

وتشهد الكويت، منذ عدة أشهر، حالة من الاستنفار عقب الكشف عن العديد من قضايا الفساد وتبييض الأموال دفعة واحدة في مدة زمنية قصيرة، منها قضايا عابرة للحدود، ومن ضمن المتهمين ببعضها شخصيات بارزة في البلاد، وبدأت قضية “تسجيلات أمن الدولة” بنشر حساب مجهول ومقاطع مصورة يعود تاريخها إلى عام 2018، تضمنت اتهامات لرجال أمن الدولة بالتجسس على حسابات مواطنين ونواب والتواطؤ مع متهمي قضية “الصندوق السيادي الماليزي”.

على إثر ذلك، أمرت وزارة الداخلية الكويتية بتشكيل لجنة تحقيق بالتسجيلات وإيقاف ضباط عن العمل، قبل أن تجري إحالة القضية إلى النيابة العامة بعد تدخل من نائب الأمير ووليّ العهد الشيخ نواف الأحمد، وتعهده بمتابعة القضية رافعا الغطاء عن المتورطين في قضايا الفساد من أعضاء الأسرة الحاكمة باعتبار أنهم جزء من أبناء الشعب الكويتي وتسري عليهم ذات القوانين ومن يخطئ يتحمل مسؤولية خطئه.

ودعا إلى اعتماد التدابير الفاعلة والتشريعات الكفيلة بردع الفاسدين والقضاء على مظاهر الفساد وأسبابه بكافة أشكاله. وأضاف أن محاربة الفساد ليست خيارا، بل هي واجب شرعي واستحقاق دستوري ومسؤولية أخلاقية ومشروع وطني يشترك الجميع في تحمل مسؤوليته، ولكل من يثير التساؤل حول محاسبة أبناء الأسرة الحاكمة نؤكد بأنهم جزء من أبناء الشعب الكويتي وتسري عليهم ذات القوانين ومن يخطئ يتحمل مسؤولية خطئه. فليس هناك من هو فوق القانون، مؤكداً على سواسية الجميع وأن لا أحد فوق القانون ولا حماية لفاسد أيا كان اسمه أو صفته أو مكانته، ومشددا على وجوب المحافظة على أمن الكويت وتعزيز استقرارها.

واعتبر أنّ ذلك مسؤولية الجميع وهي الهدف الأعلى وقمّة الأولويات، لأن ”الكويت بخير بتلاحم أبنائها وتعاونهم“، حسب قوله، وهي قادرة على تجاوز كل العقبات والتحديات وستظل دائما دار عز وأمان تمضي بخطى واثقة نحو مستقبل واعد وزاهر ينعم فيه أبناؤها بالأمن والرخاء والازدهار.

التحسب للمستقبل

الكويت تشهد، منذ عدة أشهر، حالة من الاستنفار عقب الكشف عن عدة قضايا فساد وتبييض أموال دفعة واحدة في مدة زمنية قصيرة، منها قضايا عابرة للحدود.
الكويت تشهد، منذ عدة أشهر، حالة من الاستنفار عقب الكشف عن عدة قضايا فساد وتبييض أموال دفعة واحدة في مدة زمنية قصيرة، منها قضايا عابرة للحدود

الدستور الكويتي يعطي مجلس الأمة صلاحيات واسعة في حالات خاصة، في حال افتقد وليّ العهد أحد الشروط الواجب توافرها فيه أو كان غير مهيأ صحياً لممارسة صلاحياته، عندها يحال الأمر إلى مجلس الوزراء، وفي حال التثبت من ذلك يُعرض الأمر على مجلس الأمة فورا للنظر فيه في جلسة سرية خاصة.

وإذا ثبت لمجلس الأمة بصورة قاطعة فقدان الشرط أو القدرة المنوه عنهما، قرر بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم انتقال ممارسة صلاحيات وليّ العهد بصفة مؤقتة أو انتقال ولاية العهد بصفة نهائية إلى غيره، وكل ذلك وفقاً للشروط والأوضاع المقررة في مادة الدستور التي تمنح مجلس الأمة صلاحية بأغلبية ثلثي الأعضاء بحسم هوية أمير البلاد أو وليّ العهد، في حال تأكد فقدانهما أو أحدهما لشروط شغل منصبيهما أو عدم القدرة الصحية على تولّي المهام.

وقد برزت عدة أسماء من الأسرة الحاكمة راغبة في ولاية العهد منها ابن الأمير الحالي ناصر صباح الأحمد الصباح والذي عرف عنه محاربته للفساد، وفهد الأحمد الصباح، ورئيس الحكومة المستقيل جابر المبارك الحمد الصباح، ورئيس الحكومة الحالي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، وناصر محمد الأحمد الصباح، إضافة إلى نائب الحرس الوطني شقيق وليّ العهد الحالي مشعل الأحمد الجابر الصباح صاحب الخبرة الأمنية والدور الكبير في وأد التحركات الشعبية التي قامت بها حركات معارضة متأثرة بالربيع العربي وعرفت بالحراك الكويتي.

ما يزال مستقبل الكويت مفتوحاً على الاحتمالات، إلا أن التحرك الاستباقي الذي مثّله قدوم الشيخ سالم إلى موقعه الجديد، يؤشر على رغبة الأسرة الحاكمة في ترتيب البيت الداخلي ومواجهة مزدوجة، مع التطرف من جهة ومع مراكز القوى من جهة ثانية.

8