الشيخ صالح كامل سراج تنويري سعودي ينطفئ

قطب الاقتصاد والإعلام السعودي يفارق الحياة بعد مسيرة ثرية ورائدة في مجالات الاقتصاد والإعلام.
الخميس 2020/05/21
من بيع البليلة في الطرقات إلى ترسيخ فلسفة تنموية رائدة

وارى الثرى قبل أيام رجل الاقتصاد والإعلام السعودي الشيخ صالح كامل بعد نوبة قلبية داهمته في ليلة من ليالي شهر رمضان، لتطوى آخر صفحات كتاب شهير من الاعتماد على النفس والعطاء والقدرة الفائقة، والممتدة لما يجاوز الخمسين عاما، متجلية في خَلق البدايات والاقتراحات وخوض غمار الفرص الاستثمارية في الاقتصاد والإعلام.

عقلية صدامية

ورغم ما شاب تجربة الشيخ كامل من فورة تحفّظ مجتمعي، إلا أنها جعلت منه مكمن متابعة لكل استثمار جديد يضمه أو رأي يبديه، وبقي أحد الأسماء التي يتداولها المجتمع بكثرة ولاسيما خلال فترة توقيفه إبّان عملية القضاء على الفساد، التي لم تحجب عنه موقعه في ريادة أغلب الاستثمارات الاقتصادية والإعلامية وتحويل مخاوفها إلى ناجح.

كان يردّد في أغلب أحاديثه أن مفاتيح النجاح تكون في “معرفة نفسك، وتقوى الله، ورضا الوالدين، ولا تدخل نشاطا تقليديا، والحذر من تحقيق الأحلام مرة واحدة فعندها ستخسر كل شيء، فالنجاح الحقيقي في إعمار الأرض وتشغيل الناس”. فلم يكلّ ولم يملّ، ولم يتوقف حتى أضحى ظاهرة لا تتكرر في جدّه واجتهاده وإشرافه على كل عمل بنفسه. أما المصرفية الإسلامية في العالم التي تتسم بالمقاصد والآليات والمآلات، فيعدّ الشيخ كامل أحد الثلاثة الذين أسسوا لها، وهو الذي ظل ينبه من استبعاد البنوك الحالية للمقاصد والمآلات والإبقاء على الآليات، متخذة من البعد الإسلامي كمحلل فقط، ووسيلة لأخذ الودائع.

ولد الشيخ كامل عام 1941 لعائلة تعمل بالطوافة وخدمة حجاج بيت الله الحرام، ونال شهادة بكالوريوس التجارة في الرياض، وبقي يناضل في حياته كلها، حتى أصبح واحدا من أكبر المستثمرين العرب في مجال الإعلام، بالإضافة إلى استثماراته في العديد من المجالات.

تكفير المتطرفين للشيخ كامل يعود إلى تصريحات جريئة أدلى بها، أو إلى مشاريع يقوم بإنشائها تعتبر محرمة في عرفهم كاهتمامه المبكر بالمرأة، مثل المصنع الذي أنشأه في مكة قبل أربعين سنة وخصصه للنساء، وكان مصيره الإقفال.
تكفير المتطرفين للشيخ كامل يعود إلى تصريحات جريئة أدلى بها، أو إلى مشاريع يقوم بإنشائها تعتبر محرمة في عرفهم كاهتمامه المبكر بالمرأة، مثل المصنع الذي أنشأه في مكة قبل أربعين سنة وخصصه للنساء، وكان مصيره الإقفال

فهو مؤسس “مجموعة البركة المصرفية” ترأس معها أيضا مجلس إدارة كل من “المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية”، و”الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة والزراعة”، ولجنة المشاركين في “محفظة البنوك الإسلامية”، وغير ذلك من المواقع الهامة التي ترك فيها بصماته، وهو الذي لطالما أثار الرأي العام بتصريحات أضحت مكمن نقاش وحدّة. وكان قد وصف بورصة الأوراق المالية والأنشطة العقارية بأنها استثمارات طفيلية، لأنها كما يقول ”لا تسعى لتوظيف يد عاملة ولا تفتح بيوتا، ولذلك لم أعمل مضاربا نهائيا، فقط أنا مؤسس أسهم لا أشتري ولا أبيع“.

أما سعودة محلات بيع الذهب فقد رأى الشيخ كامل أنها كانت قرارا خاطئا معللا ذلك بـ”عدم وجود سعوديين مدرّبين على هذه المهنة“، مرجعا ذلك إلى افتقاد السعودي إلى ثقافة فنيات التسويق، إضافة إلى اعتراضه على رواتب عمال النظافة المتدنية مما يجعل العامل مشروع مجرم.

غير أن وقوعه في محك تصادم وتكفير من المتشددين جاء إما نتيجة تصريحات يدلي بها أو مشاريع يقوم بإنشائها تعتبر محرمة في عرف التشدد، ومثال ذلك المصنع الذي أنشأه في مكة قبل أربعين سنة وخصصه للنساء، مهمته تفصيل الثياب وخياطتها، فكان مصيره الإقفال، علاوة على العديد من الآراء التي نهجها والتي تتعلق بالشباب السعودي ومتطلباته، والتخصصات الجامعية وكونها لا تلبي الحاجة، والعزوف عن المهن اليدوية، إضافة إلى علاقته بأسامة بن لادن وأفغانستان واتهامه بتمويل الإرهاب، التهمة التي أنكرها لكون التمويل الذي قدّمه كان فقط يختص ببناء المدارس والمستشفيات دون تدخل في النشاط الحربي.

الإرهاب والبطالة

اتهامه بتمويل الإرهاب يعود لعلاقة الشيخ كامل بأسامة بن لادن، وهي تهمة أنكرها موضحا أن دوره اقتصر على بناء المدارس والمستشفيات بعيدا عن النشاط الحربي.
اتهامه بتمويل الإرهاب يعود لعلاقة الشيخ كامل بأسامة بن لادن، وهي تهمة أنكرها موضحا أن دوره اقتصر على بناء المدارس والمستشفيات بعيدا عن النشاط الحربي

كان الشغف يُسيّره مع التحدي والثقة في نفسه وقدراته، ويحدوه الأمل في صناعة اقتصاد سعودي متنوّع وقوي وتوفير فرص عمل للشباب، كان يعلن دوما أننا “إذا قضينا على البطالة، فقد قضينا على الإرهاب، فالبطالة جدة الكبائر“، مبديا تفاؤله بالرؤية 2030 والتي وافقت أشياء في نفسه.

 إلا أن تلك الأماني والأحلام لم تبق حبيسة الأمل، بل سعى إلى الإفراج عنها وتحقيقها حين أنشأ خلال ترؤسه غرفة جدة جناحا متخصصا أسماه ”المصفق التشاركي للإنماء والتشغيل“ الذي يهتم، كما يصفه الشيخ كامل، بإعمار الأرض من ماء البلاد، وتشغيل العباد، والقضاء على البطالة، مستقطبا شركاء للنجاح من دوائر حكومية وجامعات ورجال أعمال واستشاريين في محاولة لتغيير زعم اجتماعي منتشر تبلور في نزع مسمّى ”المهن غير المحترمة“ ودفع الشاب إلى العمل المهني، وإضفاء ما يستحقه من الاحترام عليه، لذلك كان أول من أنشأ معهدا مهنيا للتدريب قبل ما يقارب الثلاثين سنة في مدينة جدة، تخرج منه أصحاب مهن يدوية كأول دفعة في حفل حضره أمير منطقة مكة في تلك الفترة، الأمير الراحل ماجد بن عبدالعزيز، ولكن المعهد لم يستمر بسبب أنظمة العمل التي لا تشجع على هذا النشاط.

لم يبخل على الاقتصاد العربي باهتمامه ورغبته في توحيده والنهوض به وهو ما كان يؤكد عليه بالقول ”إن جيلي كان يحلم بالوحدة العربية، وللأسف فإننا نشاهد تقسيما عربيا، وأملي أن نعود كما كنا نحلم بالوحدة، ولكنها وحدة اقتصادية“، لذلك تعددت استثماراته وامتدت حاملة لواء الاقتصاد الإسلامي لقناعة ترسخت لديه حاثا على معرفته وفهمه وتطبيقه فكانت ندوة البركة الإسلامية منذ 36 سنة والتي شكلت مرجعية في الفقه الإسلامي للمعاملات باقتصاد إسلامي قوي جدا تملكه الدول العربية.

الاستثمار في الإعلام

ولأن الأولويات كانت ولع الشيخ كامل، لهذا كان للإعلام نصيب منها، ولذلك أنشأ أول نشاط إعلامي فريد ووحيد برز في الشركة العربية للإنتاج الإعلامي والتي أسسها عام 1966، وأنتجت أغلب المسلسلات التلفزيونية السعودية الأولى والتي وصفت بالدرر، وقبل أي تلفزيون حكومي عربي، ليتقدم خطوة بأخذ وكالة التلفزيون المصري وبعض دول الخليج، ولتبدأ انطلاقته الجدية بعد ثورة الإعلام العربي بتأسيس شبكة راديو وتلفزيون العرب والتي كانت محل انبهار بآليتها، في عهد تعود فيه المشاهد العربي على قناة وحيدة، لتأتي “إي.آر.تي” فتذهله بقنواتها المتعددة، وعرضها الجذاب، وتدخله عصرا جديدا من الإبداع وجمالية المحتوى، وتنوع الأداء، وإبرازه المواهب.

فيلسوف الحجاز الاقتصادي

تجربة الشيخ كامل وعلـى الرغم ممّا شابها من تحفّظ مجتمعي إلا أنها جعلت منه محط أنظار السعوديين الذين ظلوا يتداولون اسمه حتى آخر لحظة، ولاسيما حين تم توقيفه إبان عملية القضاء على الفساد
تجربة الشيخ كامل وعلـى الرغم ممّا شابها من تحفّظ مجتمعي إلا أنها جعلت منه محط أنظار السعوديين الذين ظلوا يتداولون اسمه حتى آخر لحظة، ولاسيما حين تم توقيفه إبان عملية القضاء على الفساد

مع مشروعه الضخم في «إيه آر تي» أسس قناة ”اقرأ“ والباقية إلى الآن بعد بيع بعض قنواته في الشبكة، ليطال اهتمامه الإعلامي قنوات فضائية فكان شريكا في قناة “أم.بي.سي” عند بداية انطلاقتها في لندن، ومساهما في صحف سعودية عديدة مثل عكاظ والوطن ومكة، جامعا ريادة الاقتصاد مع ريادة الإعلام العربي، أما الغرض من الاستثمار الإعلامي وحسب ما جاء على لسان الشيخ كامل فهو تخليص الإعلام من الفساد.

ولكنه يلحق كلامه ذاك بالقول ”ولكن مع الأسف فشلنا“. من يدري؟ لكن الشيخ كامل نال عدة جوائز وأوسمة، مثل وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى لرجال الأعمال المتميزين، و“جائزة رجل المصارف“ من “البنك الإسلامي للتنمية” عامي 1995 و1996، و“جائزة رجل أعمال الخليج“ عام 1993، ومنحته “جامعة ليك هرست” في الولايات المتحدة الدكتوراه الفخرية في الإعلام وخدمة تواصل الشعوب.

اكتسب حرفة التجارة منذ الطفولة، فكانت بداياته ببيع البليلة والتي كانت تصنعها له والدته، ليتبعها بتنظيف كبوش الخرفان وتصليحها وتنظيفها وبيعها لأصحابه، والكبوش إحدى اللعب الحجازية القديمة.

الشيخ كامل أسس قناة "اقرأ" الباقية إلى الآن بعد بيع بعض قنواته في الشبكة، وكان شريكا في قناة "أم.بي.سي" عند بداية انطلاقتها في لندن، ومساهما في صحف سعودية عديدة مثل عكاظ والوطن ومكة
الشيخ كامل أسس قناة "اقرأ" الباقية إلى الآن بعد بيع بعض قنواته في الشبكة، وكان شريكا في قناة "أم.بي.سي" عند بداية انطلاقتها في لندن، ومساهما في صحف سعودية عديدة مثل عكاظ والوطن ومكة

بعدها اكتسب مهارة التاجر أكثر وأكثر كلما تقدم به العمر لتكون خطوة تأسيس بيت الكشافة العربي واستدانته من والده آنذاك وشرائه لمستلزمات رياضية من مصر ولبنان وبيعها لطلبة المدارس، وقد بقي هوس الكشافة والجوالة ملازما له حتى مرحلة الجامعة، وفيها ارتفع سقف طموحه التجاري باستحداث أول مكتبة في السعودية لطباعة مذكرات الطلاب في الجامعة وكان من ثمارها اقتناء أول سيارة، وبفضل نشاطه وزعامته للنشاط الرياضي في جامعة الملك سعود، كون علاقات واسعة في المملكة، ليقول عن نفسه في تلك الفترة “أصبحت معروفا لدى الكل، من الصغير وحتى الوزير”.

في خضم نشاطه بالتجارة ونتيجة معرفة استسقاها حول البريد في الدول العربية تقدم باقتراح إلى وزارة المواصلات يتضمن فكرة تكوين البريد الطواف والذي يهدف إلى توصيل البريد إلى الأهالي، خاصة في المناطق البعيدة.

وقد حظي به بعد أن طاف مدنا وقرى بعيدة، وحسب المسافات بينها ليقدر قيمة التكلفة ويثمر بالنجاح، لتكون قبلة العمل الحكومي وجهته فتوظف في وزارة المالية ممثلا ماليا، وهي وظيفة هيّأته إلى التعرف على مناطق المملكة، وبعد أن ثقفته طبيعة مهامه جغرافيا استقال بعد عشر سنوات، ليهيّئ نفسه لصعود أولى عتبات رحلة المال والاقتصاد بتأسيس ”دلة البركة“ عام 1968 في الرياض، قبل أن ينتقل فرعها إلى مدينة جدة مكونة من 360 شركة، مليئة بالإنجاز والمناقصات بأقل الأسعار التي وصلت إلى “ريال واحد” وهي مناقصة تنظيف المسجد الحرام في مكة المكرمة ليستمر فيض الاقتراحات البكر عبر تسليم شركات تنظيف مدينة جدة، ليستقيل منها بعد ردح من الزمن معطيا أبناءه فرصة إثبات وجودهم وقدراتهم الممزوجة بمتابعته وخبراته.

وأخيرا فإن المتتبع لسيرة الراحل الشيخ صالح كامل يجد أنه أمام نمط من الفيلسوف الاقتصادي، مع نهج قلما يتوافر في رجل أعمال. فهو صاحب مبادئ لا يتخطاها، عرف عنه استثماره في المجالات التي هي في حاجة إليه، صارفا النظر عن إدارة ثابتة لمجال واحد، كان يقول ”بعدما يستقر مجال، لا أرتاح، أبحث عن مجال آخر يحتاج إلى إشباع وأستثمر فيه وهكذا، قد تكون هذه من سمات الناجحين، وقد أكون أفشل مدير“.

12