الشيخ صباح الخالد يقود حكومة تبديد الخلافات في الكويت

رئيس الوزراء الكويتي المكلف يواجه مهمته الدقيقة بحنكة الدبلوماسي الهادئ.
الأربعاء 2019/11/20
دبلوماسي في مهمة الإطفائي

اختيار الشيخ صباح الخالد وزير الخارجية في الحكومة الكويتية المستقيلة لتشكيل حكومة جديدة، خضع بالأساس لمقياس القدرة على تطويق الخلافات واستعادة التناغم والتضامن بين أفراد الطاقم الحكومي واللذين أدّى فقدهما إلى سقوط حكومة الشيخ جابر المبارك في فترة كويتية قلقة.

الكويت - وضع أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح الأزمة الناجمة عن استقالة حكومة الشيخ جابر المبارك، على طريق الحلّ وذلك بإسناده مهمّة تشكيل حكومة جديدة للشيخ صباح الخالد المؤهّل، بحسب متابعين للشأن الكويتي، لأداء دور “الإطفائي” الذي يجيده نظرا إلى خلفيته الدبلوماسية وخصائص شخصيته الميالة للهدوء والتروي والبعد عن الصراعات.

وقام رئيس مجلس الوزراء الجديد، الثلاثاء، بأداء اليمين الدستورية أمام أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد، وبحضور ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح.

وكان الصراع بين وزير الدفاع الشيخ ناصر الصباح، ووزير الداخلية الشيخ خالد الجراح الصباح قد أدى إلى استقالة حكومة الشيخ جابر المبارك الذي اعتذر لاحقا لدى الأمير عن قبول تكليفه بإعادة تشكيل الحكومة.

وفتح الشيخ ناصر ما قال إنّه ملف فساد يتضمّن نهب قرابة الـ800 مليون دولار من صندوق الجيش ويعود لفترة تولي الشيخ خالد الجراح منصب وزير الدفاع قبل أن يتولى حقيبة الداخلية. وطالت القضية بالنتيجة الشيخ جابر باعتباره رئيسا للحكومات الكويتية المتعاقبة منذ سنة 2011 ما دفعه للاعتذار عن قبول التكليف، والإصرار على أولوية إبراء ذمّته أمام القضاء.

وقالت وكالة الأنباء الكويتية، الثلاثاء، إنّ أمرا أميريا صدر “بتعيين الشيخ صباح خالد الحمد الصباح رئيسا لمجلس الوزراء، وتكليفه بترشيح أعضاء الوزارة الجديدة”.

وقال أمير الكويت، الإثنين، في رسالة أوردتها الوكالة، إنه قبِل اعتذار الشيخ جابر المبارك عن تشكيل الحكومة. وأضاف مخاطبا رئيس الوزراء المستقيل “تسلّمنا رسالتكم واعتذاركم عن هذا التعيين بسبب حرصكم على تبرئة ذمتكم أمام القضاء”.

وضمن مساعي تطويق الصراع بين شيوخ الأسرة الحاكمة الذي خرج إلى العلن قررّت لجنة التحقيق الدائمة الخاصة بمحاكمة الوزراء، حظر نشر أي أخبار عن بلاغ التجاوزات المالية في صندوق الجيش الذي تقدم به وزير الدفاع المقال، وإجراء تحقيقات سرية.

واكتست استقالة حكومة الشيخ جابر هذه المرّة طابعا استثنائيا كونها لم تأت، كما هو معهود، إثر خلافات مع البرلمان بل بسبب تنافر بين أعضائها. كما جاءت الاستقالة في فترة كويتية قلقة بسبب التطوّرات المحيطة بالبلد لاسيما عدم الاستقرار في الساحة العراقية المجاورة، وتقلّبات الصراع بين إيران والولايات المتحدة وعدد من القوى الإقليمية والدولية.

ويبلغ رئيس الوزراء الكويتي المكلّف ستة وستين عاما ودخل العمل الحكومي من بوابة الدبلوماسية حيث شغل منصب ملحق دبلوماسي في وزارة الخارجية، ليتولّى لاحقا منصب وزير للشؤون الاجتماعية والعمل، ثم منصب وزير للإعلام، فنائب لرئيس مجلس الوزراء وزيرا للخارجية وهو المنصب الذي استمر فيه حتى استقالة الحكومة الخميس الماضي.

تنتظر الشيخ صباح الخالد مهمّة عاجلة تتمثّل في تحقيق التجانس داخل الطاقم الحكومي واختيار وزراء بعيدين عن الصراعات

وبحسب مراقبين، فقد جاءت قرارات أمير الكويت بقبول اعتذار الشيخ جابر المبارك واستبعاد نجله الشيخ ناصر وأيضا وزير الداخلية السابق الشيخ خالد الجراح من المشاركة في حكومة الشيخ صباح الخالد القادمة، انطلاقا من معرفته بأن هناك مخططات تستهدف الاستقرار في الكويت، وهي أكبر من الشعارات المرفوعة بمكافحة الفساد، وكان التمهيد لها واضحا في التظاهرة الأخيرة بساحة الإرادة ورفعت خلالها مطالبات متنوعة غير متسقة، من قضية البدون إلى حل مجلس الأمّة إلى انتقاد الحكومة ورئيس البرلمان وصولا إلى الشعارات الكلاسيكية المطالبة بمكافحة الفساد.

وفضلا عن تحقيق الاستقرار في الداخل، ينطلق أمير الكويت من خلال تكليف الشيخ صباح الخالد بتشكيل الحكومة الجديدة، من إدراكه بأن اللّحظة الإقليمية الراهنة تتطلب هذا النوع من المسؤولين القادرين على إدارة الأمور بروية وحكمة، لاسيما أن الكويت مقبلة على مصالحات خليجية وتطورات إيجابية في ملف الخلاف بين شقيقاتها الخليجيات الذي تعمل على حلّه منذ أكثر من سنتين، إضافة إلى عمل دؤوب يقوم به الشيخ صباح الخالد بعيدا عن الأضواء لتهدئة الأمور مع إيران وإقناعها بأن الحوار أفضل من التصعيد.

ويبدو رئيس الوزراء المكلّف بذلك متناغما تماما مع رؤية أمير البلاد ووعيه بتعقيدات اللحظة الراهنة ودقّتها والذي عبّر عنه من خلال كلمة توّجه بها الإثنين للكويتيين وشدّد فيها على عدم السماح بانزلاق البلد نحو الفوضى، متوعّدا “أي شخص مهما كانت مكانته إذا ثبتت إدانته بالاعتداء على المال”.

وقال معلّقا على الصراعات السياسية في البلد “لقد ساءني وآلمني في ظل ما تشهده المنطقة من أحداث وتطورات أن نرى هذا التراشق في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وتبادل الإساءات والاتهامات”.

وتابع “نؤكد إيماننا الصادق بحرية الرأي والتعبير وأن ذلك لا يعني أبدا أن نسمح بما قد يهدد أمن البلاد واستقرارها والدخول في متاهة الفوضى والعبث المدمر وهي تجربة مؤلمة عاشها الشعب الكويتي وعانى مرارتها وقسوتها”، حاثّا الكويتيين “على ضرورة الانتباه إلى مصلحة الوطن وصيانة أمنه واستقراره والوقوف صفا واحدا في وجه من يحاول العبث بأمنه وشق وحدته الوطنية والابتعاد عن افتعال التجمعات التي قد تستغل في غير أهدافها وتقود إلى مظاهر الفوضى وتتيح الفرصة لمن يريد بالكويت سوءا”.

وتنتظر الشيخ صباح الخالد مهمّة عاجلة تتمثّل في تحقيق التجانس داخل الطاقم الحكومي من خلال اختيار وزراء يجمعون بين الكفاءة ونظافة اليد والنأي عن الصراعات، خصوصا وقد دخل البرلمان السنة الأخيرة من فترته النيابية، وهي مرحلة تكثر فيها المناكفات وتصيّد أخطاء الحكومة وهناتها من قبل النواب بهدف توظيفها للبروز وتقديم أنفسهم للناخبين في الانتخابات التالية.

3