الشيخ محمد أمان الجامي اسم تحول إلى تيار ديني

الأحد 2014/11/02
الجامي يعتبر أن الدعوة السلفية التي تقوم عليها السعودية هي المفهوم الصحيح للإسلام

نظرا لطبيعة المجتمع السعودي المتدين فطرة، ومعيشة، تبرز فيه تيارات دينية عدة، لم يعد اليوم في المملكة من يعيش دون أن يجد السؤال الأهم: “ما هو توجهه؟” وعلى إثره يبدأ التنظير، ليس للمثقفين فيه صوت مسموع كما هو صوت المتدينين -إن صحت التسمية- فهم الأعلى صوتا والأكثر قدرة على النفوذ والوصول إلى كل الطبقات.


مسارات الدين


حراك الداخل، تتبعه وتقوده أطياف دينية، جعلت من الدين مسارا، واتخذت من المملكة العربية السعودية مكانا، وجعلت المجتمع وقودا، ومن السلطة هدفا، فوئدت غالبها، وتعايشت مع السعوديين بعضها، ظهر لها جيشها مع توافد الأيام.

فمع كل حدث كبير يهز الإقليم، ينعكس ذلك على الداخل السعودي، ليس بالضرورة أن يكون امتدادا لتلك الأزمات، لكن هناك من يرغب في استقطاب كل التغييرات أو الفتن أو الأحداث، رغبة في النفس والميول لمن يسمون بالحركيين الإسلاميين أو مؤيدي الإسلام السياسي.

هناك تيارات دينية ترغب في التغيير الاجتماعي بل وحتى السياسي، تحمل معها أثرا نفسيا داخل المجتمع السعودي، الذي يقدر ويعلي مرتبة غالب المتدينيين، لكن الأحداث تكشف معها التوجهات، والآمال والآلام، فتبدأ رحلة العواطف والعقول، بين فئات ترغب بإصلاح تعالت لهجته بفعل وقود رجال الدين الحركيين، وبين إصلاح مختلف يحمل السرية لولي الأمر، وهو ما يجعل الطوائف الدينية في تناحرها وتصنيفاتها، ويقع التساؤل من الشخص البسيط: “أي تيار أنا؟”.


سروري وجامي


التيارات في السعودية، بلغت درجة التناحر، لمرحلة أن يصنف رجل الدين رجل الدين الآخر، ليس وفقا للمذهب العقدي، لأن غالب التيارات في المملكة سلفية، بل وفقا للاتباع والابتداع، خاصة ما يظهر اليوم من عودة التناحر بين “السروري” نسبة إلى محمد سرور زين العابدين، وبين “الجامي” نسبة إلى محمد أمان الجامي.

قال الشيخ ابن باز: "هل هناك فرقة تسمى جامية؟ هل قصدهم بذلك القذف في الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله؟ نقول لهؤلاء على فهمهم نحن وهابية جامية"

وإن كانت السرورية منهجا سلفيا يتبع الإخوان المسلمين؛ فهل من يطلق عليهم وصف الجامية لهم تبعية لمرشد أو إمام، أم أنهم على مسمى فقط يعيشون دون أي تأويل ديني، وتقيم تحت الحكم السعودي، عكس حال السروريين؟


الجامي رحلة النبوغ والنجومية


في رحلة حج قادمة من اليمن العام 1950، حذره بعض صحبه قبل أن يصعد ركوبه من تأثيرات المنهج السعودي الديني وفق تحليلهم رغم أن المملكة المتوكلية اليمنية تتماهى مع الدعوة السلفية آنذاك، لكن محمد أمان الجامي رحل وفي قلبه سلفية تموج وحماسة أفريقية عربية مقبلة على التعلم، فلم يدر بخلد ذلك الفتى العشريني الحبشي (نسبة إلى مولده في الحبشة) أن يكون شاغلا للناس حتى اليوم، ويظل اسمه متكررا في صراع التيارات السعودية.

أدى حجته، ونهل بعدها من منابر التعليم وحلقات التدريس داخل المسجد الحرام في مكة بكل دروس العقيدة، تتلمذ على يد كبير المفتين السعوديين ومفتي الديار السعودية الأول الشيخ عبدالعزيز بن باز، الذي كان عرابه الأول وشفيعه ليكون مدرسا في المعهد العلمي بمدينة صامطة بمنطقة جازان جنوب السعودية.


زمن جازان


عاش في جازان الجنوبية ونظرا لنبوغه المعرفي وإتقانه فهم العقيدة الإسلامية، أقيمت له محاضرات وحلقات دروس عديدة، وفيها كذلك ظهر معه رفيق الدرب الشيخ ربيع مدخلي الذي تتسمى “الجامية” كمسمى رديف لها عند البعض بـ”المدخلية” فشكلا مرحلة لم يكن لها حتى ذلك التاريخ أن تعرف كتيار يوصّفه بها منظرو التيارات الحركية الأخرى.

وعند افتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة العام 1961 تم انتداب محمد أمان الجامي للتدريس بها، إبان رئاسة رئيس الإفتاء السعودي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ للجامعة بتزكية من نائب مدير الجامعة آنذاك الشيخ عبدالعزيز بن باز، وتتلمذ على يده عدد كبير من طلبة العلم الذين تأثروا بشخصية الجامي وفكره.

لم يدر بخلد محمد أمان الجامي الفتى العشريني الحبشي المولد، في طريقه إلى الحج مروراً باليمن في العام 1950، أنه سيكون شاغلا للناس حتى اليوم، ويظل اسمه متكررا في صراع التيارات السعودية


عدو الأحزاب الدينية


مارس التدريس، ولم يكن أحدٌ حتى تلك السنوات الطوال يعرف تياراً أو حركة أو فكرة حتى بمسمى “الجامية” لكن ركض الأيام والأحداث، جعلته حين وصل لعقده الخامس من العمر يكون نجم الصراعات، وهو السلفي الهادئ الذي خصص منهجه الدعوي لـ”الجرح والتعديل”، لكن ذلك الجرح المباح جعل من اسمه أكثر ذكرا بعد وفاته عكس حياته.

في أثناء حرب الخليج العام 1990-1991 ومع دخول القوات الأجنبية إلى السعودية لتحرير الكويت، ماجت في دوائر الإسلاميين عمومهم قضية دخول القوات الأجنبية، وحينها ظهر مشايخ الصحوة وغالبهم من الاتجاه السروري رافضين علنا دخول القوات رغم فتوى ورأي مفتي السعودية الشيخ عبدالعزيز بن باز حينها بالجواز، لكن نجوم شباك الصحوة رفضوا ذلك وصعدوا للمنابر تنديدا بذلك، فلم يقف دفاعا عن الدولة ومقاربة رأي المؤسسة الدينية الرسمية سوى الشيخ محمد أمان الجامي رجل “الجرح والتعديل” الذي انتقد رأي رجال الصحوة ومخالفتهم أمر المؤسسة السياسية. حينها بدأ مصطلح “الجامية” في الظهور وفق وصف خنادق العداء من الصحوة السروريين، وهو مصطلح يراه البعض كوجه عملة جديد لمن كان يسمى الدعوة السلفية التي قامت عليها الدولة السعودية بـ”الوهابية” كون محمد أمان الجامي لم يأت بجديد بل جعل السمع والطاعة لولي الأمر واضحا كمنهج سلفي أصيل.


ابن باز: نحن وهابية جامية


المقاربة مع الدعوة السلفية، والحرص على تماسك الدولة والحفاظ على الترابط بين السياسي والشرعي في السعودية، كان هدف الجامي الشيخ، الذي لم يطلق ذلك المسمى إلا بعد أن بلغ من العمر عتياً، فهاجت عليه جموع جيوش الصحويين، ومن الأعداء عرفوه فزاد بزوغا.

كان الكثير من داخل معسكرات الصحويين يتناقلون نبأ الخلاف بين المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة في الشيخ ابن باز ومحمد أمان الجامي، لكنها كانت قصصا غير صحيحة، حيث قال ابن باز في سؤال حول كلمته للرد على الجامية: “هل هناك فرقة تسمى جامية؟ هل قصدهم بذلك القذف في الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله؟ هذا السائل مخطئ خطأ عظيما وللأسف جانب الصواب، فالشيخ محمد أمان الجامي والشيخ ربيع المدخلي وكل مشايخ المدينة من المشايخ السلفيين المعروفين لدينا بالعلم والعقيدة السليمة وأوصي الشباب بالاستفادة منهم وقراءة كتبهم وطلب العلم عندهم.. ومن قال عنهم جامية فقد سبقه أسلافهم عندما قالوا إننا وهابية فنقول لهؤلاء على فهمهم نحن وهابية جامية”.

ويتفق الجامي مع معلمه ابن باز، إذ أن الوهابية وصف كتائب الأعداء، معتبرا أنهم سلفيون، وخصوم الدعوة ليس لهم إلا إطلاق المسميات، معتبرا محمد أمان الجامي أن “الوهابية أو بالمفهوم الصحيح السلفية تسير سيرا هادئا في العالم دون جعجعة ودون الطبول والدفوف، وتسـير هكـذا تدخل البلاد وتفتح القلوب”.

عند افتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في بداية الستينات تم انتداب محمد أمان الجامي للتدريس بها، فتتلمذ على يده عدد كبير من طلبة العلم الذين تأثروا بشخصيته وفكره


بين الجامي وحسن البنا


يعرف منهج محمد أمان الجامي بالنقد والتعديل العلني، وربما يجمع رأي المؤسسة الدينية الرسمية والسلفية في الرد عنها كونها خارج أروقتها، خاصة على القطبيين (نسبة إلى سيد قطب منظر الإخوان والتنظيمات الجهادية) حيث قال عن حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين، إنه يعرفه معرفة جيدة، حيث كان للأخير دور في إخراج الشباب من دور السينما والملاهي إلى المساجد، لكنه والحديث للجامي نقلهم من جاهلية إلى جاهلية، ولم ينقل لهم المفهوم الصحيح للإسلام.

وقال الشيخ الجامي متسائلا بعد أن وصف حسن البنا بالشيخ: “هـل دعـوة الشيخ حسن البنا قضت على عبادة غير االله؟ وهل أخرج الناس من الطواف بالأضـرحة؟ وهل أخرج الناس من الحكم الديمقراطي إلى حكم االله؟ هـذا هـو الشرف فلو كانت الدعوة جاءت هكذا فتكون الدعوة الإسلامية الصحيحة”.


دفاعا عن العلماء


الجامي الذي انبرى دفاعا عن مشايخ السعودية المعتبرين كابن باز وابن عثيمين والفوزان، له مؤلفات عديدة ومحاضرات ترد على من يعتبرهم “أهل البدع″ من حكايات وتيارات حزبية ومنهم الإخوان المسلمون وجماعات الدعوة والتبليغ، وأن جميعها حركات سياسية مزركشة بالإسلام.

معتبرا أن الدعوة السلفية التي تقوم عليها السعودية هي المفهوم الصحيح للإسلام، وإن كانوا يطلقون عليها مسميات “الوهابية” أو “أنصار السنة” في بعض الدول وكذلك “أهل الحديث” في القارة الهندية، وقائلا إنه لا تجوز المقارنة بينهم وبين هـذه الحركات الحديثة التي تجددت، كون السلفية نسبة إلى السلف، “السـلف سـلفنا الصـالح وهم الصحابة والتابعون وأئمة تابعي التابعين الأئمة الأربعة”.


الجامي غادر الدنيا وظل اسمه


غادر الشيخ محمد أمان الجامي الحياة، في أوائل العام 1996 بعد عام ونصف من هدوء الحروب العلنية بينه وبين دعاة الصحوة، كان اللافت للخصوم والمؤيدين آنذاك تعزية القيادة السياسية السعودية لأسرته، وعلى رأس تلك القيادة العاهل السعودي الراحل الملك فهد وولي عهده آنذاك الأمير عبدالله، والراحل الأمير سلطان بن عبدالعزيز.

واليوم، مع الصعود والسقوط السريعين للإخوان المسلمين، وحضور بعض مؤيدي الإخوان والتنظيمات الجهادية، بعد أعوام من الهدوء، عاد اسم الجامية مرافقا لمسميات وتصنيفات مجتمعية تعيشها السعودية، جميعهم يغادرون، وتبقى الصراعات، ولا زالت الدولة السعودية سلفية العقيدة لم تتغير.

9