الشيخ محمد بن زايد: قرار ترامب بشأن القدس طوق نجاة للمتشددين

الاثنين 2017/12/11
قرار يهدد السلام في منطقة تعاني من انعدام السلام

واشنطن – وضع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان موقفا عربيا عاما رافضا لاعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل أمام وفد أميركي، قائلا إن القرار سيخلف موجة إرهاب جديدة بعد موجة أولى بالكاد تمكنت المنطقة من إنهائها.

وشهدت ردود الفعل على القرار إجماعا رسميا في العالم العربي، عكسه الشيخ محمد في تحذير بأن الحل الوحيد لاحتواء الغضب ولإعادة الولايات المتحدة إلى دائرة احترام الشرعية الدولية سيكون عبر “تراجع الإدارة عن القرار”.

وقالت مصادر أميركية إن وزارة الخارجية في واشنطن تلقت تقارير من سفاراتها في العالم العربي تحذر فيها من مغبة التداعيات التي أحدثها قرار ترامب، الذي أعلن عنه الأربعاء الماضي، وشمل أيضا نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس.

ونقلت التقارير أن الدول المعنية بالقمم التي حضرها ترامب في الرياض في مايو الماضي، لا سيما دول الخليج، تشعر بالغضب جراء التناقضات التي عكسها هذا القرار مع مخرجات “قمم الرياض” والتعويل عليها لبناء علاقة جديدة بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والإسلامي.

وتمثل المواقف الصادرة عن عواصم الخليج خصوصا الرفض القاطع للحلفاء قبل الخصوم للخطوة التي يرى المسؤولون الخليجيون أنها تهدد الأمن الإقليمي برمته.

وحذر الشيخ محمد بن زايد، في تصريحات إلى وفد من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، من أن قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل “يمكن أن يكون طوق نجاة للجماعات المتشددة بعد الانتكاسة التي عانت منها هذا العام”.

وتنظر “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة، وخصوصا تلك المتمثلة في وسائل الإعلام ومراكز البحوث، بعين الريبة إلى قرار ترامب، ليس فقط من زاوية إضراره بعملية السلام في الشرق الأوسط، بل أيضا من احتمال إضراره بالمصالح الأميركية في تلك المنطقة.

وكانت المؤسسات الأمنية والدبلوماسية الأميركية تتوقع ردود الفعل المجمعة على رفض خطوة ترامب في العالم أجمع، وهو ما يعزز رفض دوائر عدة في المؤسسات الأميركية التقليدية للقرار أيضا.

ويمتد هذا الرفض إلى مؤسسات إسرائيلية أيضا، خصوصا المؤسسات الأمنية، وفقا لدبلوماسيين غربيين.

وقال مارتن إنديك، السفير الأميركي السابق في إسرائيل، إنه “بمقدار السعادة التي أضفاها اعتراف ترامب لدى الإسرائيليين العاديين، فإنه أصاب مسؤولين كبارا في الحكومة الإسرائيلية بقلق بالغ”.

وقد يشكل ذلك ضغطا على واشنطن يدفعها إلى البحث عن صيغة أخرى موازية ويمكن للفلسطينيين قبولها.

وقال ولي عهد أبوظبي إن الإمارات تأمل في أن تعيد واشنطن النظر في قرارها.

وفيما تتسابق العواصم المعنية على إعلان انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا والدعوة إلى مقاربات سياسية تنموية تمنع عودة التطرف والحركات الجهادية في هذين البلدين، يرى خبراء في الإرهاب أن قرار ترامب الأخير يعيد إنعاش التيارات الجهادية بعد أن فقدت الأراضي التي كانت تسيطر عليها.

يرفد القرار هذه التنظيمات بما تعوزه من بيئة غاضبة تتيح لها الانتقال نحو بلدان أخرى وتفعيل وظائفها وفق شعارات جديدة تنهل من الصدمة التي سببها المساس بمدينة القدس، والقفز نحو فرض أمر نهائي لها لصالح الرواية الصهيونية التوراتية.

ونقلت وكالة أنباء الإمارات عن الشيخ محمد تشديده على “إمكانية أن تمثل هذه الخطوة طوق نجاة للجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة التي بدأت بخسارة قواعدها في المنطقة”.

وقال مجلس وزراء الإمارات إن “دولة الإمارات ستبقى داعمة لهوية القدس العربية وللوضعية القانونية التي أرستها كافة الاتفاقيات الدولية بخصوصها وحقوق الشعب الفلسطيني”.

وشدد المجلس على أن “القدس بوضعها النهائي تمثل جوهر عملية السلام التي تشكل الضامن الأساسي للاستقرار في المنطقة، وأي إخلال بهذه المعادلة قد يفتح أبوابا لخطاب متطرف جديد.”

وحذرت منابر غربية من مغبة حقن الصراع في المنطقة بالمزيد من الجرعات الدينية وتثبيت الجدل حول مدينة القدس بصفته حربا دينية تخاض بين الأديان السماوية الثلاثة. وقالت إن استناد واشنطن على الرواية اليهودية لتحديد مستقبل القدس سيقابل برواية مسيحية إسلامية مضادة تخرج المسألة من بعدها السياسي والقانوني الذي تقرره المفاوضات إلى بعد ديني يضع المقدسات والكتب السماوية في حالة حرب وتضاد.

ورأى مراقبون في القاهرة أن قرار الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر وتواضرس الثالث بابا الأقباط رفض استقبال نائب الرئيس الأميركي مايك بنس أثناء زيارته المقبلة لمصر هو نموذج من المواقف الدينية التي يستدعيها قرار ترامب بشأن القدس.

ورغم الموقف الذي اتخذته المجموعة الدولية في الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن الجمعة من رفض كامل للقرار الأميركي، ورغم إجماع وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم في القاهرة السبت على رفض قرار ترامب والتلويح باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار بيان يعطل مفاعيل قرار ترامب، إلا أن انتفاء صفة الراعي عن واشنطن لعملية السلام في الشرق الأوسط يهدد السلم في المنطقة بانتظار إيجاد بدائل لإعادة تفعيل تلك العملية وفق قواعد جديدة.

وقال ولي عهد أبوظبي للوفد الأميركي إن قرار ترامب من جانب واحد ينتهك قرارات الأمم المتحدة، وحث واشنطن على أن “تراجع هذه الخطوة وتعمل بشكل أساسي ومؤثر ومحايد على صياغة مبادئ سلام حقيقي يخدم الجميع ويحقق التنمية والاستقرار في المنطقة”.

وتكشف مصادر غربية متابعة لشؤون الشرق الأوسط أن قرار ترامب تجاهل المحن التي تمر بها المنطقة لا سيما تلك التي تسعى عواصم المنطقة لمعالجتها لوقف التمدد الإيراني، لا سيما في اليمن، ما يدفع الدول المعنية لبذل المزيد من الجهود وتصويب بوصلتها لوقف الخطر الذي تمثله إيران على أمن واستقرار اليمن ومنطقة الخليج برمتها.

وقال الشيخ محمد بن زايد للوفد الأميركي إن التحالف الذي تقوده السعودية، والذي يضم دولة الإمارات أيضا، ظل ملتزما بحل سياسي لإنهاء الحرب التي بدأت في عام 2015 عندما تقدم الحوثيون المدعومون من إيران إلى مدينة عدن الساحلية الجنوبية، مما أجبر الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي على الخروج من البلاد.

وأضاف أن أي حل في اليمن “لن يكون على حساب أمن واستقرار المنطقة، ولن يكون على حساب تمكين ميليشيا عسكرية تعمل خارج نطاق الدولة وتمثل تهديدا مباشرا على أمن وسلامة المملكة العربية السعودية الشقيقة والمنطقة”.

وقال الشيخ محمد إن السعودية والإمارات تعملان على تخفيف معاناة الشعب اليمني من خلال تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليا، عبر إقدامهما على فتح طرق برية وجوية وبحرية لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدن التي لا تزال تحت سيطرة الحوثيين.

ونقل عن الوفد الأميركي أنه لاحظ مدى اتساع الاستقلال الذي تعمل به دول الخليج في الحفاظ على أمنها بعيدا عن الأجندات الأميركية، كما لاحظ مدى الامتعاض من بعض السياسات المتخذة في واشنطن والتي تؤثر سلبا على أمن المنطقة عموما والمتعلق بمستقبل اليمن خصوصا.

للمزيد:

حراك دبلوماسي عربي لرد \'عملي\' على قرار ترامب بشأن القدس

في ذكراها الثلاثين.. الانتفاضة الفلسطينية سلاح \'الأقوياء\' لصنع السلام

ماذا تغير بشأن القدس.. مصر نموذجا

1