"الشيخ ميزو".. من الميدان للسجن بأمر المهدي المنتظر

ما واجهه وسيواجهه الشيخ ميزو من متاعب ليس بسبب كلامه عن البخاري ودعابة المهدي؛ وإنما لرفضه صنوف الاستبداد ورهانه على مدنية الدولة؛ فلا يحتمل اليمين الديني هذا المصطلح.
الثلاثاء 2017/04/04

بالمصادفة علمت بسجن محمد عبدالله نصر الذي منحه بعض المشايخ لقب “الشيخ ميزو”، سخرية أو حسدا من عند أنفسهم. كان يفترض أن يكتب لمجلة “الهلال” مقالا عن المرأة في الفقه الإسلامي، وأبديت شكوكا في قدراته العلمية، خشية أن يميل البحث إلى الخفة، فطمأنني زميلي أن لدى “الشيخ ميزو” ما يقوله، ولكن هوسه بالشهرة نزع عنه وقار الباحث. ثم أخبرني بأن محكمة في القاهرة قضت يوم 26 فبراير 2017 بسجنه خمس سنوات، بتهمة إنكار أحاديث في كتاب البخاري وادعائه بأنه المهدي المنتظر.

حكم قاس، غير إنساني، وليس عنوانا لأي حقيقة إلا الصمت المريب من جانب المثقفين؛ فلم يجد من يسوّغه أو يستنكر سجن صاحب رأي؛ لأن الرجل ضد الجميع، من تنظيم الإخوان وجماعات السلفيين وأحزابهم، إلى المنظمات الحقوقية. ولم تكن تدعمه إلا فضائيات استثمرت ذات يوم ضعفه تجاه الإعلام.

الإعلام غول يلتهم الضعفاء من البارزين في مجالاتهم. يمتص دماءهم ويستعجل الزهرات ليقطفها رشوة لجمهور مستلب يداعبه بمواد مسلية تمهيدا لإغرائه وإغراقه بالإعلانات، ثم يبخل الإعلام على هؤلاء برصاصة الرحمة، حين تنفد قدراتهم على إبهار جمهور ملول، فيبحث عن ضحايا جدد ليستهلكهم.

حين فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988 قال ساخرا “يبدو أنني أصبحت موظفا عند السيد نوبل”، ولكن وعيه سلّحه بالزهد في شهرة لا تعوزه، وبشيء من اللؤم اكتفى بما يكتبه مريدوه عن مجالسه وما ينسبونه إليه، عازفا عن الأضواء.

أما يوسف إدريس فكاد هذا الغول يفسد علاقته بالحياة وبنفسه، ويروي سليمان فياض قول إدريس له “تصور. كل يوم الصبح. أقلب الجرائد كلها. فإذا لم أجد بها خبرا عني، أبكي. أبكي حقا”.

حضر محمد عبدالله نصر في ميدان التحرير بخطاب مدني، وشارك في مظاهرات ترفض تسييس الدين، وتدعم الدولة المدنية تحت شعار “يسقط الشاويش والدرويش”، وطالب بضرورة تدريس كتاب “طبائع الاستبداد” لعبدالرحمن الكواكبي في المدارس، لكي لا يعود “الاستبداد واستخدام الدين في مساعدة المستبد”.

وأصبح المنسق العام لجبهة “أزهريون مع الدولة المدنية” التي انطلقت في 23 أغسطس 2012، وقرأ بيانها التأسيسي في حزب الوفاق القومي أسفل صورة لجمال عبدالناصر.

لم تكن الجبهة على هوى السلفيين والإخوان، وأتصور أن ما واجهه وسيواجهه من متاعب ليس بسبب كلامه عن البخاري ودعابة المهدي؛ وإنما لرفضه صنوف الاستبداد ورهانه على مدنية الدولة؛ فلا يحتمل اليمين الديني هذا المصطلح، وقد رفض ممثلوه في لجنة دستور 2014 نصا دستوريا على أن مصر “دولة مدنية”، واستبدلوا به أن مصر “حكومتها مدنية” في ديباجة الدستور.

في الجدل الفقهي، احتكم “الشيخ ميزو” إلى العقل ولو في قضايا يراها آخرون محسومة، يؤكدون أنها قطعية الدلالة لا تقبل التأويل مثل الحجاب وعذاب القبر.

ومن أقواله التي استفزت اليمين الديني المحافظ “إذا كانت علة تحريم الخمر هي أنها تذهب العقل، فإن فتاوى رجال الدين المسيّسين أو فقهاء السلطان تقتل العقل بتخديره. وما دام القتل أشد من التغييب فإن رجال الدين هم أحق بالثورة ضدهم، وأحق بتحريم سماعهم أو مجالستهم”.

في حجة الوداع قرأ النبي صلى الله عليه وسلم آية “اليوم أكملت لكم دينكم”. كان الدين دينا قبل الإمام البخاري، اللعنة العابرة للأزمنة، إذ يطارد المجتهد ويقذف به إلى السجن كما حدث مع إسلام بحيري.

مر بحيري بالمراحل التي يمر بها “الشيخ ميزو” الآن. في البداية حكم على بحيري بالسجن خمس سنوات، وخفف الحكم في ديسمبر 2015 لمدة عام. وفي 29 مارس2017 خفف الحكم على “الشيخ ميزو” إلى السجن عامين، بتهمة ازدراء الأديان وكأن البخاري هو الدين.

سجن بحيري وميزو إدانة لحياة ثقافية تنحاز لدائرتها الضيقة. كلا الرجلين لا ينتمي إلى جماعة ثقافية تدافع عنه أو تبرئ الذمة بندوة تذكّر باجتهادات بدأها الإمام محمد عبده، ولن يكون ختامها محمود أبورية وجمال البنا، في مواجهة يمين ديني يعتبر الفقه البشري دينا، ويرى حراسته مهنة. وقضية الحديث سندا ومتنا تخص البحث العلمي.

ممثلو هذا اليمين لا يستنكرون إهانة آدمية إنسان بضرب يفضي إلى الموت في مراكز الشرطة، ويصمتون على قتل 38 مواطنا في سيارة الترحيلات. وينافسون محاميا ملتاثا تخصص في قضايا الحسبة بتعقب ما يقوله مجتهد في برنامج أو كتاب. وسبق أن رفع شيخ الأزهر أحمد الطيب دعوى قضائية لوقف برنامج “مع إسلام”، قائلا إنه يتطاول على “الشريعة الإسلامية، مستغلا حرية التعبير والاتصال المكفولة دستوريا في هدم تراث الأمة”.

قبل 27 عاما سألت الشيخ محمد الغزالي عن المهدي المنتظر، فانفعل وسألني: وماذا سنفعل إلى أن يشرّف سي المهدي؟ هذا الرجل أسطورة خلقها الخيال، وما كان القرآن ليترك قضية بهذه الخطورة من دون أن ينص عليها، ولكنها ارتقت لدى لناس إلى درجة العقيدة.

لا أذكر الآن كم عدد المهديين، ونهاياتهم التراجيدية من السودان في القرن التاسع عشر، إلى الحرم المكي فجر غرة المحرم 1400.

وفي لحظة تجل تذكّر “الشيخ ميزو” أن اسمه محمد عبدالله، وهو اسم المهدي الأسطوري، فكتب بيانا فيسبوكيا “أعلن أنني أنا الإمام المهدي المنتظر (محمد بن عبدالله) الذي جاءت به النبوءات، وجئت لأملأ الأرض عدلا وأدعو شعوب الأرض قاطبة لمبايعتي”.

دعابة لا يحتملها سياق نفاقيّ يدّعي التدين، ويتجاهل أشكال الانتهاك لآدمية الإنسان. وقد تراجع عن البيان موضحا أنه أراد التدليل على أن رجال الدين يروجون حكاية المهدي “من أجل إقعاد الناس عن العمل، وتسببوا في تخدير عقول المسلمين”. ولكن المحامي المهووس بالشهرة اتهم “الشيخ ميزو” بالنصب، وانتحال شخصية المهدي.

في سيرته سجل عبدالوهاب المسيري “مظاهر التحرر من الحدود الإنسانية” في الفن، مستشهدا بلوحة لآندريه سيرانو عنوانها “فلنتبول على المسيح”، حيث وضع صورة “المسيح على الصليب في البول” (ص199). ولم تؤثر اللوحة في اهتزاز ثقة مسيحي بعقيدته.

وفي القرآن الكريم دعوة صريحة للإعراض عن “الذين يخوضون في آياتنا”، إعراض لا سجن. وليس البخاري أو المهدي من آيات الله، ولن تتأثر عقيدة مسلم بسبب حديث في البخاري، أو ادعاء “الشيخ ميزو” أو غيره بأنه المهدي أو المسيح الدجال.

وبدلا من أن توصي النيابة بإحالة مقدم البلاغ إلى الطب النفسي، أخذت الأمر بجدية مضحكة، فمضى الشيخ إلى السجن في صمت، ولم يدافع عنه أحد، ولم تتبعه أضواء فضائيات تبحث عن أدوات جديدة للإلهاء.

إقرأ أيضاً: دار الإفتاء تقدم ما يطلبه الحاكمون

8