الشيشانيون في فرنسا: إما مدانون بجرائم أو متهمون بالإرهاب

سحب 147 تصريح لجوء من الأجانب في فرنسا في الأشهر الثلاثة الماضية تمهيداً لطردهم من البلاد.
السبت 2021/05/15
الشيشانيون في فرنسا يتعرّضون لعقوبة جماعية

باريس - يشعر الشيشانيون الذين يشكلون مجتمعا صغيرا في فرنسا أنهم يتعرضون لعقوبة جماعية، إذ أنهم منذ أشهر هدف مميز للسلطات التي تبذل كل ما في وسعها لطرد الأجانب الذين تشتبه بأنهم متطرفون.

خلال ستة أشهر، أثار حدثان ذهول عشرات الآلاف من الروس من أصل شيشاني الذين يعيشون على الأراضي الفرنسية، أولهما قتل المدرس سامويل باتي في 16 أكتوبر 2020 على يد لاجئ شيشاني شاب. وقال وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان في ذلك الوقت إنه يريد تسريع عمليات طرد هؤلاء المواطنين وتوجه إلى موسكو لمناقشة الإجراءات.

بعد ذلك، في التاسع من أبريل جرى إبعاد محمد غادايف إلى روسيا في عملية أثارت الكثير من الجدل. وغادايف شخصية معروفة في فرنسا ومعارض كبير للزعيم الشيشاني رمضان قديروف الذي يحكم الجمهورية الواقعة في القوقاز بقبضة من حديد.

منذ إرسال هذه الإشارة السياسية، تحدث وزير الداخلية عن تسريع الإجراءات، وزيادة “لم نشهدها من قبل” في عمليات سحب صفة اللاجئ من الأجانب الذين يشتبه بأنهم متطرفون أو أدينوا بالإخلال بالنظام العام، ما يمهّد الطريق لطردهم.

في المجموع سُحبت 147 تصريحا في الأشهر الثلاثة الماضية وهو عدد أكبر بكثير مما كان في عام 2020 بأكمله للأسباب نفسها ولم يتجاوز المئة.

جيرالد دارمانان: باريس تريد تسريع عمليات طرد هؤلاء المواطنين
جيرالد دارمانان: باريس تريد تسريع عمليات طرد هؤلاء المواطنين

وأكثر المتأثرين بهذه الإجراءات هم الشيشانيون حسب الأرقام الرسمية، إذ أن 23.1 في المئة من 312 عملية سحب تصريح لأسباب مختلفة في 2020 تعلقت برعايا روس معظمهم من الشيشانيين، بفارق كبير عن جميع الجنسيات الأخرى وعن أكثر طالبي اللجوء في فرنسا عددا وهم الأفغان الذين بلغت نسبة المشمولين بها منهم 5 في المئة.

وأوضح جوليان بوشيه المدير العام للمكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية (أوفبرا) أنهم إما أشخاص مدانون بجرائم أو جنح في فرنسا “وإما أشخاص لم تتم إدانتهم ولكن هناك أسبابا تدعو إلى الاعتقاد بأنهم يمثلون تهديدا لأمن الدولة”.

وأضاف مدير هذه الهيئة المكلفة بمنح وسحب الحماية أنه “في هذه الحالة تأتي التقارير من أجهزة الاستخبارات”.

وأكد أن الشيشانيين يمثلون “جزءا كبيرا من الملفات التي تحال إلينا في مجال أمن الدولة ومكافحة التطرف”.

وتقول وزارة الداخلية الفرنسية إن المواطنين الروس يشكلون 12 في المئة من الأجانب الذين لديهم إقامة قانونية والمدرجين على قائمة الإسلاميين المتطرفين ضمن معطيات إدارة منع التطرف ذي الطابع الإرهابي.

وعبر شامل ألباكوف المتحدث باسم جمعية الشيشان في أوروبا عن أسفه لأنه “منذ الهجوم على سامويل باتي تغير كل شيء. لدينا انطباع بأننا نحاكم بسبب أصلنا.. صرنا كلنا مذنبين بسبب فعل دنيء ارتكبه شخص واحد”.

وتحدث عن قسوة “لا تطاق” تستند في أغلب الأحيان إلى ما يُسمى “مذكرات بيضاء” صادرة عن أجهزة الاستخبارات، لا يُكشف عن مضمونها ولا يمكن الاعتراض عليها. وقال “أمام هذا، لا نستطيع أن نفعل شيئا”.

وتأتي القسوة الفرنسية تجاه الشيشانيين في إطار حملة أوروبية لتقويض كل الحركات أو المجموعات التي تشكل خطرا إرهابيا أو تلاحقها شبهات أمنية. ففي ألمانيا على سبيل المثال تتعرض السلطات لضغوط لحظر تنظيم الذئاب الرمادية التركي المتطرف إحدى أذرع أردوغان المتطرفة أسوة بفرنسا.

وكانت الحكومة الفرنسية قد حلت تنظيم الذئاب الرمادية مؤخرا بتهمة إثارة التمييز والكراهية والضلوع في أعمال عنف.

ويواجه شيشانيو فرنسا الخطر ذاته، واعتبر المحامي فرانك شومان الذي يدافع عن العديد من الشيشانيين المهددين بالترحيل “إنه أمر مقلق جدا”.

Thumbnail

وأضاف “إنه خروج عن دولة القانون. نريد مكافحة الميول الإسلامية في البلاد واتخاذ إجراءات ضد العناصر المتطرفة، هذا أمر طبيعي (…)، لكن لا أريد أن يتم ذلك عبر انتهاك مبادئ أساسية”.

وصدر بحق موكله إسماعيل ت. الذي يخضع للإقامة الجبرية في مدينة نيس بجنوب شرق فرنسا، أمر بالإبعاد منذ قرار لجنة تنظر في عمليات الطرد في 18 يناير.

وهذا الأمر صدر قبل أن يقرر مكتب حماية اللاجئين الذي ما زال يفترض أن يبت في المسألة، سحب الحماية الممنوحة له.

ويبدو الرجل الشيشاني الذي لجأ إلى فرنسا في 2012 قلقا بشكل واضح.

ورد عبر مترجم “أي متطرف؟ عمري 50 عاما ولدي أربعة أطفال عليّ تربيتهم. إذا كنت مذنبا، أريد أن أحاكم حسب القوانين الفرنسية”.

ولم يتم كشف مضمون “المذكرة البيضاء” المتعلقة به، لكن السلطات تتهمه خصوصا بوضع منشورات على إنستغرام “معظمها ذات طابع إسلامي وحتى يشجع على القتال”.

يقول المحامي شومان بحزن إن “ملفه غير مترابط إلى درجة أنه لم يبرر إحالته للنيابة”.

وإسماعيل ت. ليس حالة استثنائية. فقد وجدت جمعيات ومنظمات غير حكومية في الواقع حوالي عشرين شيشانيا عالقين بين طرفي هذه الكماشة في فرنسا.

أحد هؤلاء هو عمر -اسم مستعار- عمره (45 عاما) وهو أب لسبعة أطفال ولاجئ منذ 2004.

بعد 17 عاما وفي منتصف مارس سحب مكتب حماية اللاجئين منه هذه الحماية مع أن سجله العدلي نظيف. وتحدث المكتب عن معلومات “تتعلق بقربه من الشبكة الإسلامية الجهادية في فرنسا” و”دعمه جماعة إمارة القوقاز” ما يجعله يشكل “تهديدا خطيرا لأمن الدولة”.

وقال هذا العامل الذي يعيش في ستراسبورغ في تصريحات صحافية “صُدمت. هذه أمور لا يمكنهم توريطي فيها ولم أفهم (…) فأنا أبتعد عن المتطرفين”.

وبرأيه فإن “كل المآخذ صيغت بشكل افتراضي (…). أنا متهم بمصادقة إمام أصبح متطرفا لكنني لا أعرف حتى من هو”.

وأكد المدير العام للمكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية أن “التزام اليقظة والتحرك إزاء هذه القضايا المتعلقة بالنظام العام يعني حماية السكان وكذلك حماية حق اللجوء”.

ومع ذلك لا يتم طرد كل هؤلاء الأشخاص بشكل تلقائي ولا يمكن ترحيلهم.

وأوضح جوليان بوشيه بالقول “عندما يتم سحب الوضع (…) لا تزول بالضرورة المخاوف التي مُنح الشخص الحماية على أساسها”.

6