الشيطان في التفاصيل

التفصيل ليس مقتطعا من كلٍّ لكي يكشف عن حقيقة ما، بل هو منتزع من تلك الحقيقة، وواقع منها موقع الشاشة العازلة.
الخميس 2019/01/24
حرية بصدد التشكّل

عند الاسترابة من أمر لا ندرك تمامًا جليّته، نستعمل في العادة عبارة “وراء الأكمة ما وراءها”، التي تقابلها في الفرنسية “تحت الحَجر أنْقَليس”، للتعبير عن شيء خافٍ وراء مظهر خادع. ولكن التعبير الرائج منذ القرن التاسع عشر صار “الشيطان يكمن في التفاصيل”، التي تعني وجود شيء أو عنصر غامض مخبأ في التفاصيل، كامنٍ في التلافيف، ملتحمٍ بالجزئيات. تلك العبارة، التي وردت في “هكذا تكلم زرادشت” لفريدريخ نيتشه، لا تحمل بعدا فلسفيا ولا دينيا، رغم أنها تجد جذورها في مقولة دينية استعملها توما الأكويني في القرن الثالث عشر عند حديثه عن “الرب في التفاصيل”، للدلالة على أن كل ما يجري وما يحدث وما يقال، ترعاه العناية الإلهية في أدق تفاصيله. أما عند نيتشه، فكان القصد منها أنه لا ينبغي أن نغفل عن التفاصيل، لأنها قد تكون سببا في مشاكل عديدة، وما الشيطان في نظره إلا ذلك الكائن الشرير الذي ينشر الفوضى بشكل مستتر، عن طريق تأثيره تأثيرا مباشرا على جزئيات قد تعود علينا بالوبال إذا لم ننتبه إليها، ونحذر أثرها السيء.

والعبارة تعني أيضا أن شيئا ما قد يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، ثم يتضح أن إنجازه يتطلب جهودا غير متوقعة، ووقتا أطول لإتمامه على أحسن وجه، أي أنها تعرب عن الفكرة القائلة إن كل ما يتم عمله يجب أن ينجز بشكل متقن، دون إهمال التفاصيل الصغرى. ولكنها قد تحمل معنى مغايرا، كأن تحذّر من أن يصرفنا اهتمامنا المفرط بالتفاصيل، والقشور الزائفة، والمظاهر الزائلة عن جوهر الأمور، فننسى أن الحقيقة توجد في مكان آخر، لأن التفصيل ليس مقتطعا من كلٍّ لكي يكشف عن حقيقة ما، بل هو منتزع من تلك الحقيقة، وواقع منها موقع الشاشة العازلة.

هذه الفكرة تداولها كثير من المفكرين من بعد نيتشه، إذ نجدها مثلا عند فرويد الذي يعتقد أن التفاصيل قوية الدلالة، يمكن أن تكشف عن قوة رغبة مكبوتة. مثلما نجدها عند سارتر الذي يعتبر أن التفاصيل ترسم مشروع حياة بصدد التحقق، أو حرية بصدد التشكّل، للخروج من العدم. وإن كانت لا تختلف كثيرا عن نظرية نشأة الكون عند ليبنيتز، الذي يؤمن بأن كل جزء يحتوي على الكل، وهو ما عبّر عنه الشاعر الإنكليزي وليم بليك في قوله “أرى الكون في حبة رمل”. ما يعني أن الجوهر يكمن في التفاصيل، ومن ثَمّ وجب التنبه إليها بشكل مخصوص، وإيلاءها ما تستحق من اهتمام.

15