الشيعة اللبنانيون وقود الوهم الإمبراطوري الإيراني

الثلاثاء 2015/03/17

طردت الإمارات 90 مواطنا لبنانيا جلهم من الشيعة. هكذا ورد الخبر في وسائل الإعلام مؤخرا. قد يبدو هذا الخبر حقيقيا، ولكن الوقائع الفعلية على الأرض تجعله نوعا من الهذيان السريالي الموغل في المبالغة.

وصف الشيعي لم يعد قابلا للالتحاق بأي هوية وطنية، فقد سيطرت إيران ومشروعها الإمبراطوري المزعوم على هذا الوصف، وجعلته أسير مفهومها الخاص. استجاب جل الشيعة لهذا التوصيف وارتضوا به، بل قبلوا ببذل الدماء في سبيله، فكيف يكون ممكنا بعد ذلك أن يكون هناك شيعي لبناني أو عراقي أو يمني؟

دخل جل الشيعة في المشروع الإمبراطوري الإيراني دون تمايزات تذكر، وفقدوا بذلك روابطهم مع هوياتهم الوطنية، ومع العروبة، وباتوا يشكلون في أوطانهم وقودا للتوسع الإيراني، وراحوا يستغلون تغلغلهم في دول الخليج ليكونوا خلايا تمد إيران وملحقاتها في المنطقة بالدعم المالي والاستخباراتي.

هذه هي الصورة التي أصبحت تغلب على الشيعة في كل مكان يوجدون فيه، فلم يعودوا قادرين أن يكونوا مواطنين، ولا حتى رعاة لمصالحهم الخاصة، بل باتوا جنودا مكرسين للذود عن النفوذ الإيراني الإمبراطوري.

ومادام الحال على هذه الشاكلة، فلماذا يمكن أن تشكل حادثة طرد مواطنين شيعة من الإمارات حدثا أو “مأساة”، مادام المطرودون ينتمون إلى إمبراطورية تتمدد وتتوسع في كل لحظة. قد يكون الطرد في هذه الحالة نوعا من خدمة لهم، حيث سيمكنهم من الالتحاق المباشر بالجهود الإمبراطورية، ويرقيهم إلى مصاف الانخراط المباشر، بعد أن كانت مهامهم تقتصر على الدعم اللوجستي والمالي فحسب.

دأبت إيران على تدمير علاقات الشيعة بأوطانهم وبشعوب المنطقة ودولها، ولم تقدم لهم بديلا سوى ذلك الوهم الإمبراطوري الذي تجاهر بتحقيقه يوما بعد يوم. لم ينتبه الشيعة العرب على وجه الخصوص إلى أنّ هذا المشروع إنّما هو فارسي في الأساس وليس شيعيا حتّى، ولا تربطه صلة بالتشيع إلّا من زاوية العلاقة المختلقة التي نسجتها مخيلة “إمبراطورية” اجتهدت في اصطناع نسب فارسي للتشيّع يقطع صلته بالإسلام والعروبة، ويجعل من منظومة قيم اللحظة الإمبراطورية الفارسية الغابرة أصلا ومرجعا.

لا ترى إيران في الشيعة العرب والأفغان وكل الشيعة الآخرين، سوى نوعا من الوقود “الرّخيص” الذي يُستخدم لتمكين طموحاتها التوسعية، وتدعيم نظام الولي الفقيه، وتأكيد استمراره في إحكام قبضته على إيران. وهنا يطرح سؤال مفاده؛ ما هو الدور والمصير الذي تعدهم به؟ وهل يمكن أن تترجم كل هذه التضحيات الجسيمة التي يدفعها الشيعة في تغيير واقعهم إلى ما هو أفضل؟

معاداة إيران لدول المنطقة وشعوبها جعلت من كل ملتحق بمشروعها كائنا غير مرغوب فيه في كل دول الخليج.

ولم تترك إيران مجالا لأيّ شيعي لكي يكون فردا يمكن فرزه عن البنيان المرصوص المتصل بها، وهكذا باتت المآسي الفردية غير ممكنة، ولا تبيان الظلم الذي من الممكن أن يكون قد طال بعض المطرودين.

حجم المجزرة المفتوحة في المنطقة والتي ألبستها إيران رداء شيعيا سيتسبب باستحالة تركيب مظلومية الشيعي المطرود من الإمارات، فمشهد ممولي “حزب الله” المطرودين ماذا يمكنه أن يقول أمام أنهار الدماء والتعذيب والبراميل المتفجرة التي ترعاها إيران وتدعمها وتلبسها دوما ثوبا شيعيّ الوجه والملامح.

هل سيعرف الشيعة، وخاصة العرب منهم، عدوّهم ويبادرون إلى الدفاع عن شيعيّتهم أولا ضدّ المحو الأسطوري الإمبراطوري لها؟ وهل سيستنتجون أن انتصار إيران الذي يبذلون من أجله الغالي والرخيص إنّما سيكون انتصارا على التّشيع، لأنه يفصله عن مصادره وعن تاريخه الذي لم يكن في أي لحظة فارسي الهوى والروح، إنما كان في أساسه وجوهره عربي الوجه واليد واللسان؟

الخيار واضح، وإلا ستبقى مفردة الشيعي تستحضر الوجه الإيراني وتعكسه، وستكون الحرب ضدّ معناها في هذه الحالة، حربا مشروعة وطبيعية.

من هنا يمكننا أن نفهم أن الإمارات لم تطرد مواطنين لبنانيين شيعة، بل طردت جنودا إيرانيين. الشيعة اللبنانيون لم يولدوا بعد وكذلك الشيعة العرب. ما زالوا حتى هذه اللحظة أبناء النسب الفارسي وعليهم أن يعيدوا التعريفات إلى جادة صوابها الوطني والعربي، وإلا سيبقون القتلى الذين لا بواكي لهم، وأبناء الإهدار المجاني للأرواح والأرزاق والصفات والملامح والهوية والانتماء.

7