الشيعة في لبنان: نبش في عمق مسألة الولاء ودواعيه

الأربعاء 2015/04/22
منذ الثورة الإيرانية ارتبط الشيعة بنظام طهران، وكان الخروج على التبعية يعادل العقوبة الإيرانية والعزلة العربية

الصلة التي تجمع شيعة لبنان بنظام طهران تتجاوز رابطا يجمع طائفة بمرجعيتها، بل تناهزُ تبعية إلى نظام سياسي، وهو ما جعل السعي إلى الخروج من تلك الربقة السائدة بمثابة تمرد غير مأمون العواقب على وضع إقليمي مركب، في ظل تخلي الفاعلين العرب عن شيعتهم وغياب مشروع عربي كامل الأوصاف.

أجرى التلفزيون السوري، منذ أكثر من خمس سنوات، مقابلة مع الإعلامية اللبنانية مريم البسام تحدثت فيها عن تجربتها المهنية، لاسيما وأنها كانت قد أجرت بعد حرب 2006 في لبنان مقابلة مع أمين عام حزب الله حسن نصرالله، اعتبرت مكافأة لها ولتلفزيون الجديد على موقفهما الداعم للمقاومة أثناء تلك الحرب (انتكست هذه العلاقة هذه الأيام). تطرقت الزميلة البسام في حديثها لقلق والدتها من الاحتجاجات التي اندلعت في إيران عقب الانتخابات الرئاسية التي جددت لمحمود أحمدي نجاد عام 2009. روت البسام أن والدتها كانت تعتبر سقوط نجاد كارثة “علينا” (أي الشيعة) في لبنان.

وما لفتني حينها هو مدى الارتباط الذي بات يصل المواطن الشيعي في لبنان بمصير نظام طهران، ودرجة قناعته أن أمنه ومستقبل وجوده باتا مرهونين بصلابة وقوة الحاكم في طهران. وربما في تلك الخلاصة ما يطرحُ أسئلة حول الحيثيات التي قادت إلى هذا المآل، وجعلت الشيعي اللبناني في وعيه، ولا وعيه، مرتبطاً وجودياً بنظام الوليّ الفقيه.

أحدث انتصار الثورة في إيران عام 1979 زلزالاً في المنطقة. باتت الخمينية منهجَ ثورة ينافسُ الطبعات اليسارية، فيما باتت القومية تقليعة متقادمة قياساً بالظاهرة الإيرانية الجماهيرية. على تلك القاعدة تبدّلت الاصطفافات واستقال المناضلون من خنادق عتيقة، منتقلين إلى خندق الثوار الجدد في إيران. تخلت أسماءٌ يسارية شهيرة عن يساريتها وراحت تلتحقُ بالرياح النافخة من الشرق، فيما سُجّل اعتناق بعض المسيحيين من تلك الشخصيات للمذهب الشيعي بصفته العنوان الأيديولوجي للحقبة القادمة.

قبل الحدث الإيراني، كان موسى الصدر، القادم من إيران الشاه، قد نجح بشكل لافت في إنشاء حالة شيعية تستندُ على أبجديات الطائفة ومصالحها، مهملاً ما شاع من سوْق الشيعة نحو مراتب أيديولوجية تحشدهم داخل صفوف الأمميين والقوميين، وداخل معسكرات المقاومة الفلسطينية. بنى الصدرُ مداميك الصرح الشيعي المستقل بشيعيته عن المدارس السياسية التي كانت شائعة، وأسس في ندائه الشهير “السلاح زينة الرجال فتزينوا” لقيام كيان مسلّح بصفته الطائفية، ليقارع بقية الحالات المسلحة في البلد.

في لبنان من رفض تخصيص الشيعة بخطاب، ذلك أن التغيير وجب أن يأتي من داخل البيت الشيعي وليس إنزالاً عليه

في غياب عبدالناصر في مصر، وضمور المشروع العروبي، وهزيمة عام 1982 في لبنان، وانهيار اليسار الدولي لاحقاً، اختفت من أمام الشيعة كل الورش المحلية والإقليمية والدولية التي انخرطوا بها قبل ذلك. وفي تنامي الخطاب الإيراني الجديد والعزم على تصدير الثورة، وجد الشيعةُ في لبنان في إيران ملاذاً يقيهم “جور” نظام بيروت ما بعد الاجتياح، كما جور الاحتلال جنوب البلاد.

شُلّت المراكز الحزبية المعارضة لنظام الرئيس أمين الجميل المتداعي من “الاجتياح”، وحدها المساجد والحسينيات باتت مراكز الاعتراض الجديد. من تلك الحقبة نمت الشيعية السياسية مستفيدةً من غياب المنافسين، فلسطينيين ويساريين وقوميين. ومذاك استولت حركة أمل وحزب الله على المشهد الشيعي العام.

ينتمي الشيعة في لبنان إلى ذلك الهلال الممتد نحو إيران، مخترقاً سوريا والعراق، والذي سبق لعاهل الأردن الملك عبدالله الثاني أن حذّر منه عام 2004. وأذكر، بالمناسبة، أنني تبرمت من تصريح للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عام 2006 يتهم الشيعة العرب بالولاء لإيران، ودعوت شخصيات شيعية من لبنان والكويت والسعودية للردّ في أحد برامجي التلفزيونية على “مزاعم” الرئيس المصري. وما فاجأني بمداولات المتحدثين ما اختصره أحدهم “وما الضير من الولاء لإيران؟” في ذلك أن الشيعة، عامة، باتوا في سوادهم الأعظم مقرون بتلك العلاقة المصيرية التي تربطهم بمصير النظام الإيراني.

تصريحات مبارك تكشفُ القدرية التي تعامل بها النظام العربي مع مواطنيه الشيعة. وبغضّ النظر عن صحة الولاء من نسبيته، فإن الحاكم العربي بات يعتبرُ الوجود الشيعي متواصلاً مع إيران وقد يمثّل امتدادا للسياسة الإيرانية في المنطقة. في المقابل يتحركُ الشيعة في بلدانهم بصفتهم شيعة (البحرين مثلاً) يجاهرون بالعلاقة مع طهران ويتعاظم حراكهم وفق تعاظم الدور الإيراني.

لم يجدْ الشيعة اللبنانيون المعارضون لإيران ما يرفدُ سعيهم داخل النظام العربي العام. فمقابل السخاء الإيراني على الأتباع داخل البيت الشيعي، لم يلاق من رفض تلك التبعية نفس مستوى الاحتضان من قبل العرب. كانت حسابات النظام العربي لا تريدُ مواجهة مع إيران، وهذا ما يفسّر أن مستوى الدعم العربي للمعارضة العربية في إيران (الأحواز) أو السنّية في بلوشستان ومناطق أخرى لم تحظ بأي دعم عربي يذكر، مقارنة بالدعم السياسي والمادي واللوجستي والعسكري الذي تقدمه إيران لشيعتها العرب.

مقابل السخاء الإيراني على الأتباع داخل البيت الشيعي، لم يلاق من رفض تلك التبعية نفس مستوى الاحتضان من قبل العرب

وفي غياب مشروع عربي واضح، قَبِلَ العربُ تلك العلاقة الملتبسة بين الشيعة وإيران. والقبول لا يعني الرضا، بل أن مقاربة الأمر تأخذُ هذا المعطى بالاعتبار لمجاراته أو مجابهته. في لبنان وإثر انتفاضة اللبنانيين على نظام الوصاية السورية في لبنان في 14 مارس 2005، وقعت قيادات التحالف “السيادي” الجديد في ما وقع فيه النظام العربي بشأن شيعته، وراحت تتحالفُ انتخابياً، مع الثنائي الشيعي بصفته ممثلاً وحيداً للشيعة في لبنان. وقف المعارضون الشيعة لحزب الله ولإيران محبطين من عجز “ثورة الأرز” على اختراق الثابت في طائفتهم.

قبل أعوام جمعني مؤتمر في إحدى الدول العربية بالعلامة اللبناني الراحل هاني فحص. وكان من الأصوات الشيعية المعروفة بانتقاده لإيران وحزب الله. وقد تأثر بالثورة الخمينية وشدَّ الرحال للإقامة في دولة الثورة الاسلامية، ليغادر بعد سنوات عائدا إلى لبنان، مجاهراً بلبنانيته وعروبته لا يقبل أن تنتقص منهما أمزجة طهران. لكن فحص الذي صعد منبر المؤتمر في جلسته الختامية لمّح بألم إلى ما اعتبره “جائزة ترضية”، تسمحُ له بالمشاركة بمداولات مؤتمر لم تحضره شخصيات شيعية أخرى. في مرارة الراحل ما يعكسُ معاناة من تواري مشروع جامع يتيحُ للشيعة الشعور بـ”العادية” لا الاستثناء.

كما أن الشيعة الذين يرفضون تبعية الوليّ الفقيه في إيران يواجهون مذهبية عدائية تناصبهم الخصومة وتعتبرهم “رافضة” يجوزُ تكفيرهم. ثم أن الإسلام السياسي الذي كاد يسطو على النظام السياسي العربي تحت راية الربيع العربي، طالما روّج لمناخ يزيدُ غربة الشيعي في بيئته ويرفعُ منسوب “عادية” ولائه لإيران.

في لبنان من انتقد تيار “14 آذار” لجهة عجزه عن تقديم خطاب يتوجه للطائفة الشيعية، لا بل اعتبارها طائفة مصادرة القرار لا تجوز عليها نِعَمُ السيادة والاستقلال. وفي لبنان من رفض تخصيص الشيعة بخطاب، ذلك أن التغيير وجب أن يأتي من داخل البيت الشيعي وليس إنزالاً عليه.

الثابتَ أن المزاج الشيعي لن يتبدل إلا بتبدل حقيقتين. الأولى تتعلقُ بمستقبل النظام الإيراني داخل إيران، وبالتالي تبدّل خياراته الإقليمية. والثانية تتعلقُ بمستوى الفعل العربي المضاد لإيران (في عاصفة الحزم إرهاصات من هذا القبيل)، وبالتالي نضوج حالة عربية طموحة. بانتظار ذلك سيبقى الشيعة العرب المعارضون لإيران يجهدون، على هامش المشهد العام للطائفة، وبعيداً عن أية رعاية عربية معتبرة، من أجل إعلاء صوت يخرج عن ترانيم القطيع.

13