الشيعة يحيون مناسباتهم الدينية في العراق عن بعد

زيارة أونلاين بديل للازدحام في المزارات الدينية بالنجف خلال أزمة كورونا.
الجمعة 2020/05/15
زيارة مراقد الأئمة مقبولة عن قرب أو عن بعد

أغلق وباء كورونا المزارات الدينية كما أغلق المواقع السياحية والثقافية في كل دول العالم، وفي العراق لجأت السلطات المشرفة على مزارات النجف إلى ترتيب زيارات افتراضية حتى تخفف من الازدحام للقادمين من داخل البلاد ومختلف دول العالم للاحتفال بذكرى مقتل الإمام علي بن أبي طالب.

النجف (العراق) - يرفع ماهر الربيعي يدا نحو السماء ويتلو الأدعية، وفي اليد الأخرى هاتفه النقال، مؤديا زيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة، بعدما باتت هذه الطريقة السبيل الوحيد لتأدية الشعائر جراء تفشي وباء كورونا.

فبعد ما كان الزوار يطوفون المقامات ويلمسون جدرانها لنيل البركات بحسب معتقدهم، باتوا اليوم بسبب فايروس كورونا، مرغمين على تأدية الزيارة افتراضيا، على غرار الربيعي الذي لا يبعد منزله إلا مئات الأمتار عن مرقد أول الأئمة المعصومين لدى الشيعة الاثني عشرية.

وسجل العراق أول إصابة بهذا المرض قبل حوالي ثلاثة أشهر، وكانت لدى طالب ديني إيراني في مدينة النجف جنوب بغداد.

وقرر محافظ النجف رئيس خلية الأزمة الخاصة بمكافحة كورونا لؤي الياسري، إغلاق المحافظة أمام الوافدين إليها بشكل نهائي مهما كانت الأسباب وذلك بعد حصول خروقات للحظر الصحي فيها.

وباء كورونا أغلق كل المزارات المقدسة في جميع أنحاء العالم كمكة المكرمة وبيت المقدس في فلسطين والفاتيكان في إيطاليا

وأغلق وباء كورونا كل المزارات  المقدسة في جميع أنحاء العالم، كمكة المكرمة وبيت المقدس والفاتيكان، ما أحبط العديد من المؤمنين، لكنه فتح لهم بابا آخر، وهو الزيارة الافتراضية.

وقدم تطبيق جولة افتراضية على الكعبة أقدس موقع إسلامي في العالم، كما نقل فيلم “المدينة المقدسة” الوثائقي المشاهدين إلى أهم الأحداث الدينية في القدس، مثل احتفال عيد الفصح الأرثوذكسي في كنيسة القيامة، وصلاة رمضان في المسجد الأقصى، وصلاة عيد الفصح اليهودي عند حائط البراق.

ووّفر موقع الفاتيكان الإلكتروني أيضا، جولة افتراضية في روما خلال الأسبوع المقدس، حيث وعظ البابا هذا العام على منبر فارغ بسبب الوباء، ووفر الموقع حضور العيد وأحد السعف وموعظة الجمعة العظيمة التذكارية، وعشية عيد الفصح افتراضيا، من قاعات الجلوس في المنازل.

وتزداد المخاوف من انتشار كورونا في المزارات الدينية من خلال الحشود الهائلة التي تتجمع حول القبور والمقامات ما يسهل إصابة أي شخص بالفايروس.

دعاء وتضرّع "أونلاين"
دعاء وتضرّع "أونلاين"

وفي فبراير الماضي، ظهر أحد الرجال في فيديو انتشر على مواقع التواصل في إيران، يقول “لا آبه بكورونا، يقولون إن هذا الضريح قد ينقل إلينا الفايروس بسبب احتمال أن يكون مصاب ما قد لمسه في وقت سابق، لكنني لا أكترث، أريد أن أصاب إذن”.

وللحد من انتشار الفايروس دخلت محافظة النجف في حالة الإنذار القصوى خشية إقامة تجمعات بمناسبة ذكرى مقتل الإمام علي بن أبي طالب.

وقدم الياسري اعتذاره لكل الشيعة في العراق وخارج العراق لعدم السماح لهم هذا العام بإحياء ذكرى مقتل الإمام علي في النجف والكوفة، مبينا أن اتخاذ هذا القرار كان على مضض، لكن الظروف هي التي حكمت حفاظا على سلامة الناس.

وبيّن الياسري أن الحالات المرخصة للدخول إلى النجف، هي الجنائز ترافقها سيارة واحدة مع التحويل الطبي بكتاب رسمي.

يردد الربيعي ذو الشاربين الأسودين الكثين، أدعيته مضيفا إليها هذه المرة عبارة “عن بعد”، التي أوصى بها علماء الدين الشيعة عند القيام بالزيارة البديلة عن التواجد في المرقد.

ويؤكد الشيخ علي العتابي، وهو إمام أحد المساجد القريبة من مرقد الإمام علي، “في ظل الظروف الحالية، والحجر الصحي الذي تفرضه الحكومات في العالم، زيارة مراقد الأئمة مقبولة سواء كانت عن قرب أو عن بعد”.

سنة استثنائية
سنة استثنائية

يبدو المشهد غير اعتيادي داخل المرقد الذي يكتظ عادة بالزوار، خصوصا في الأيام العشرة الأواخر من شهر رمضان، فقد اختفوا هذا العام مع حظر التجول ووقف الطيران ومنع دخول غير المقيمين إلى محافظة النجف.

في الشوارع التي كانت تعج بزوار عراقيين وخليجيين وإيرانيين وباكستانيين وأوروبيين لم يعد يسمع سوى صوت العصافير حيث تتخذ أعشاشا لها من أغطية أكشاك الباعة المكسوة غبارا بعدما هجرت منذ أسابيع.

وأغلقت الفنادق والمطاعم في النجف ومدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعة أيضا أبوابها، وبات أصحابها عاطلين عن العمل منذ نحو ستة أشهر أصلا، أي قبل تفشي الوباء، جراء الاحتجاجات، والأزمة الاقتصادية في إيران التي تعد البلد الرئيسي لزوار المراقد الشيعية في العراق.

ورغم أن هذه الإجراءات تعد ضربة لاقتصاد العراق، إذ تشكل السياحة الدينية 50 في المئة من إيرادات البلاد غير النفطية، لكن يعتبرها البعض ضرورية للحفاظ على صحة العراقيين.

ويتحسر نعمان السعدي الذي لم يستطع هذا العام وللمرة الأولى أداء مراسم الزيارة، بالقول “أحلم بزيارته لأننا الشيعة نزوره مساء كل يوم من أيام شهر رمضان، اليوم لا يمكنني رؤيته إلا من بعيد عبر هاتفي”.

وبالإضافة إلى البث المباشر عبر قنوات التلفزيون الشيعية على مدار الساعة، والتطبيقات التي تؤمن عرض صور الضريح، وفرت السلطات الدينية المسؤولة عن المراقد الشيعية رقم هاتف مجانيا لجميع العراقيين كي تتسنى لهم الزيارة. ويستمع المتصل بالهاتف إلى عبارة مسجلة بصوت رجل يقول “السلام عليكم، أهلا وسهلا في زيارة الإمام علي”، ليمنح بعدها المتصل دقيقة تقريبا لأداء الشعيرة التي تردد عادة عند مدخل المرقد.

مزارات خالية
مزارات خالية

في غضون ذلك، تستمر كوادر مسؤولة عن تأمين ومواصلة خدمة الاتصال والإنترنت أو عمل كاميرات متعددة في المرقد، في عملها في غرفة خوادم الاتصالات.

ويساعد هؤلاء على توفير فرص لكثير من المسلمين الشيعة، خصوصا خلال شهر رمضان، بغية أداء طقوسهم الدينية دون التعرض لخطر فايروس كورونا، الذي أصاب نحو ثلاثة آلاف عراقي وأودى بحياة أكثر من 110 أشخاص، وفقا لإحصاءات وزارة الصحة.

وفي إيران تجمع الشيعة في طهران وحوالي 400 مدينة أخرى لإحياء مراسم العزاء في ذكرى مقتل الأمام علي متناسين أرقام الإصابات التي تجاوزت الـ113 ألفا وتوفي سبعة آلاف بفايروس كورونا بحسب الإحصائيات الرمسية.

ويواصل الإيرانيون التجمع خلال 3 أيام من 19 إلى 21 من الشهر الجاري رغم حالة الإنذار بذروة الموجة الثانية من تفشي الفايروس.

ونشرت وكالة الأنباء الإيرانية صورا للمشاركين وهم يرتدون الكمامات أثناء استماعهم للأدعية وبعضهم يصلون في المساجد أو الساحات المفتوحة.

ويواصل المسؤولون العراقيون عن هذه الزيارة الافتراضية في النجف، العمل بجهود كبيرة، إذ أن السلطات العراقية لا تنوي حاليا إعادة فتح أبواب المراقد الدينية، في سابقة لم تشهدها البلاد حتى في أيام الحروب الشرسة التي مرت على البلاد.

20