الشيوخ المقاتلون.. تعبيرات غلو الإسلام السياسي الشيعي

لا يمكن حصر القرائن الدالة على السعي الإيراني إلى التمدد خارج مجالها لـ”تصدير الثورة” أو لفرض التصورات الإيرانية في المنطقة عبر أدواتها السياسية والطائفية، لكن لا أصدق من الوجود الإيراني الميداني المباشر، الذي يتجلى في مساهمة العناصر الإيرانية أو المتخرجين من المدارس الدينية الإيرانية في المعارك الدائرة بأكثر من بؤرة توتر؛ حضور مباشر لا يمكن تبديده في ظل ارتفاع أعداد القتلى الإيرانيين على الجبهة السورية.
الاثنين 2016/12/12
بؤرة للتجنيد وقتال كل مخالف للرأي

لندن - قُتل قرابة ألف إيراني إلى حدّ الآن في سوريا وهم يقاتلون في صفوف نظام الرئيس السوري بشار الأسد وضدّ تنظيم داعش كما يزعمون. عرّفت إيران 18 من هؤلاء على أنهم شيوخ شيعة، وهؤلاء الشيوخ لديهم هوية مزدوجة؛ إذ يحملون صفة أئمة وفي الوقت نفسه يشاركون في صراع ديني عنيف، بل يقودون هذا الصراع في بعض الأحيان. وتمثل عسكرتهم تطورا جديدا يهدّد بالمزيد من تطرف الإسلام الشيعي وغلوّه.

كان الإسلام الشيعي في ما مضى يجنح نحو الهدوء، حيث عارض رجال الدين الشيعة، تاريخيا، الجمع بين السياسة والدين. لكن في سنة 1970 بدأ الإسلام الشيعي في الدخول إلى السياسة تحت تأثير آية الله روح الله الخميني الذي أسقط حكم العائلة البهلوية. وبعد الثورة الإيرانية وإقامة الجمهورية الإسلامية في سنة 1979 أصبح رجال الدين حاضرين أيضا في الشؤون البيروقراطية للدولة، وبدأ بعضهم في الانضمام إلى الأجهزة الأمنية.

في سنة 1989 توفي آية الله الخميني، المرشد الأعلى الإيراني، وخلفه علي خامنئي في ذلك المنصب. كان خامنئي شيخا من الدرجة الوسطى ولم يتمتع بشرعية كبرى وسط المؤسسة الدينية عالية الرتبة. وبهدف التعويض عن هذا النقص في الشرعية حاول السيطرة على نظام المدارس الدينية. كانت هذه المدارس سابقا مستقلة عن الدولة، لكن خامنئي حاول أن يرسي منظومة بيروقراطية لهذه المدارس ويخضعها لسلطة الدولة. قام بتوسيع حضور رجال الدين في المؤسسة العسكرية والأمنية، واعتمد بالخصوص على الجيل الشاب من الشيوخ، وهو جيل يمثل القاعدة الاجتماعية لآية الله خامنئي الذي يسيطر في نفس الوقت على المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية.

وبعد أن وصل الإصلاحيون إلى السلطة في سنة 1997 اعتمد آية الله خامنئي على هذه المجموعة من أجل تعطيل الإصلاح وتدعيم سلطته عندما يتمّ تحدّيه. ومنذ أن اعتلى محمود أحمدي سدّة الرئاسة في سنة 2005 توسعت قوة هذه الميليشيا من رجال الدين. ويتميز هؤلاء المقاتلون من الشيوخ بولائهم للمرشد الأعلى خامنئي، وارتفعت أعدادهم بشكل كبير منذ سنة 1988.

هؤلاء الشيوخ لديهم هوية مزدوجة، إذ يحملون صفة أئمة وفي الوقت نفسه يشاركون في صراع ديني عنيف، بل يقودون هذا الصراع في بعض الأحيان

درس هؤلاء الضباط في المدارس الدينية، لكنهم يعملون في الأمن والجيش، وبالخصوص لمصلحة المكاتب السياسية الأيديولوجية في القوات المسلحة وفروع الاستخبارات المضادة من أجل أدلجة الموظفين العسكريين ومراقبتهم. وتمكن مقارنة موقعهم من ناحية النفوذ والسلطة في الجوهر بـ”الكوميسار” السياسي في النظام الشيوعي.

ليس هؤلاء فقط من رجال الدين المقاتلين هم من انضمّ إلى الحرس الثوري، بل هناك 140 ألفا آخرون من بين 400 ألف رجل دين وطالب في المدارس الدينية بإيران هم أعضاء في “الباسيج”، وهو فرع من فروع ميليشيا الدولة، تعهد إليه مسؤولية الإشراف على المدارس الدينية، لكن الكثير منهم أصبح يشترك في وحدات القتال التي تأسست من أجل المساعدة في قمع المظاهرات والدفاع عن النظام في حالة نشوب حرب أهلية محتملة.

منذ بداية الانتفاضة ضدّ النظام السوري، تمّ إرسال البعض من هذه الميليشيات الدينية الجديدة إلى سوريا والعراق للمشاركة في محاربة الجماعات السلفية وغيرها من المذهب السني. وانتشرت الظاهرة حتى خارج إيران، وذلك عن طريق نصب فخاخ لبعض الطلبة الأجانب الذين يدرسون في المدارس الدينية الإيرانية ليصبحوا شيوخا وخاصة في مدارس قم ومشهد. ويمثل طلبة المدارس الدينية هؤلاء جوهر الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط والأمثلة متعددة:

*عدة أفراد من لواء “فاطميون”، وهو عبارة عن ميليشيا شيعية أفغانية متحالفة مع بشار الأسد، وعناصرها أفغان متخرجون في علوم الدين من جامعة المصطفى الدولية في مدينة قم، وبوصف هذه الجماعة ميليشيا دينية فلديها صلة بالجماهير ويمكنها تجنيد المهاجرين الأفغان في إيران للقتال بسوريا إلى جانب نظام الأسد.

*جند لواء “زينبيون” وهم طلبة المدارس الدينية الشيعة من باكستان الذين يدرسون في إيران. قتل البعض منهم في سوريا ودفنوا في قم. وهناك على الأقل ثلاثة من كل سبعة باكستانيين لقوا حتفهم في سوريا ودفنوا في قم، وأغلب هؤلاء الطلبة ينحدرون من منطقة براشينار الباكستانية، وهي منطقة شيعية في باكستان معروفة بالصلات الوثيقة بين مدارسها الدينية والمدارس الدينية الإيرانية.

*لواء “حيدر” المتشكل من ميليشيات شيعية عراقية، وفيه عدة أفراد من الشيوخ المقاتلين. كما ينتمي هؤلاء الشيوخ إلى مجموعات أخرى مثل قوات الحشد الشعبي التي تضم طيفا واسعا من الميليشيات. ونجد أيضا مقتدى الصدر، زعيم “سرايا السلام” ويعيش حاليا في قم، وكذلك قيس الخزعلي، وهو عراقي انسلخ عن جيش المهدي وشكل ميليشيا “عصائب أهل الحق”.

حين بقي الشيوخ الشيعة التقليديون خارج الحكومة، أصبح المقاتلون منهم أداة لتنفيذ سياسة طهران الداخلية والإقليمية. وبفضل ما لهذه الفئة من سلطة عسكرية ودينية، تزداد هذه الميليشيات الدينية قوة ونفوذا في المدارس الدينية، على حساب نظرائهم التقليديين وغير المسيّسين الذين يساندون الفصل التقليدي بين الإسلام والسياسة.

13