الصابئة المندائية والإرث الحضاري

السبت 2014/03/01
بيت المعرفة أول صرح ثقافي مخصص للمندائيين

حول ماء العِراق، دجلة والفرات، أقامت جماعة قديمة قِدم سومر وبابل، طقوسها تتعلق بالماء، لكنها لا تعبد الماء، مثلما حاول بعض المؤرخين اعتبار الصابئة المندائيين مِن عُباد الماء، وإن كانوا لم يفصحوا بذلك، وقد وصفهم ابن النديم في “الفهرست” بالمغتسلة، ويكفي أنه اختصر علاقتهم بالدين في حدود الماء، يوم سمع بهم كطائفة يقيمون على شواطئ الأنهار العراقية وفي بطائح جنوب العراق.

هناك مَن يقول إنهم جاؤوا إلى العراق من فلسطين، وأنهم أتباع يوحنا (يحيى) المعمدان، وبذلك لهم صِلة بالسيد المسيح، وبالمسيحيين على العموم، كأولاد خالة، مثلما يُعرف هذا داخل العراق عنهم. صحيح أنهم يتعمدون، بل إن ديانتهم تعتمد من الأساس على التعميد إلا أن تعميدهم مختلف عن العماد المسيحي، فهم عند العماد الأكبر يدخلون في النهر، وكذلك الحال في الزواج.

يختلف الصابئة المندائيون مع اليهود والمسلمين بخصوص الختان، فهم لا يختنون مثلهم، ووفق رأيهم أن الجسم من خلقة الله لا يجوز الزيادة والنقصان به، وبهذا الرأي يتعاملون مع الشعر، اللحية والرأس والشارب، لكن الشعر ليس من الفروض بقدر ما أن الختان منه، فمن يختتن يخرج من الدين المندائي.

عرفوا بالمندائية أو المندائيين نسبة إلى مفردة المندا، ومعناها ذرة العقل، وبهذا عرف مكان عبادتهم بالمندي، وقديما كانوا يقيمون المنادي، إنما حياتهم متصلة بالتقشف والبساطة، فالمندي دائما يكون مؤقتا من البردي والقصب، وما حوته بيئة البطائح، لكن بعد انتقالهم إلى المدن فرضت الضرورة عليهم أن يقيموا منادي ثابتة من الحجر والطابوق، وظلت عندهم مسألة تعويض ماء النهر، فهم لا يقرون التعميد بالماء غير الجاري، والضرورة أيضا حكمت عليهم أن يتعمدوا بالمياه عبر الأنابيب وفي الأحواض.


الخير إلى جوار الشرَّ


على الرغم من قلتهم وضعفهم استطاع الصائبة المندائيون أن يبقوا على مدى قرون طويلة

يؤمن الصابئة المندائيون بالله الواحد الأزلي، وهو المطلق في الأعالي، وقد أمر مَن قام بهمة خلق تفاصيل الكون، وجبرائيل عندهم يدعى “هيبل زيوا” أي ملاك النور، وهو الذي نزل إلى الأرض وحاول القضاء على الشرِّ، وهي فكرة تتطابق مع الفكرة السومرية والبابلية في الخليقة، فانتصر على “الروهة” وهو كائن الظلام في العالم السفلي، لكن لا يفهم من هذا أن الخير والنور صارا مطلقين، إنما شيء من جسد الروهة اختلط في مادة خلق العالم، فكان الخير إلى جوار الشرَّ، وعمل الإنسان على التخلص من هذا الازدواج. ومثلما يقول المسلمون “بسم الله الرحمن الرحيم” يقول الصابئة المندائيون بلغتهم الآرامية الشرقية “بشمادهي ربي”، أي بسم الحي ربي، أو “بشمادهي قدماني” أي بسم القديم، فعندهم الله هو القديم، وهو سبب المخلوقات كافة.

لديهم صلاة وصيام خاصان بهما، وأعياد عديدة، لكن ما يبهر ويُدهش الفكر أن هؤلاء على الرغم من قلتهم وضعفهم استطاعوا أن يبقون على مدى هذه القرون الطويلة، ويتجاوزون كل مؤذيات المحيط، فكم من فتوى قتل جماعية قد نجوا منها، وليس لدينا من سبب في هذه القوة والصلادة سوى أنهم تمترسوا بالصبر، أي مهما حاول المحيطون التحرش بهم، أو جرهم إلى معارك غير متكافئة، تجدهم يلوذون بالصبر ولا يردون بكلمة، وهذا ليس غريبا على هذه الجماعة، فإن من ملائكتهم ملاكا يدعى “ششلام ربه” أي ملاك السلام، وهو رافع الراية (الدرفش)، التي ينشرونها في مناسباتهم الدينية.


المندائيون في العراق


تاريخ الصابئة المندائيين في العراق طويل جدا، وجعلوا المجتمع الذي يحيط بهم يحتاج إليهم، وذلك أنهم هيمنوا بقدراتهم الفكرية والمهنية على بعض المهن الضرورية للسكان، ففي البطائح أو الأهوار كانوا يصنعون القوارب، ودونها لا يتحرك سكان المنطقة، لأنها عبارة عن أنهار وجداول ومسطحات مائية، وفي المدن احتكروا صياغة الفضة، أو ما يُعرف بالمينا.

عاشوا في العصر العباسي، وظهرت أخبارهم في كتب التاريخ، وبرز منهم كُتاب وأدباء وعلماء وأطباء، تفردوا في الكتابة والفلك والنجوم والطب، حتى تبوّأ بعضهم إدارة المستشفيات، وقد صاحب أحدهم الخليفة العباسي المعتضد بالله، وكان يعتني ببدن الخليفة ويشاوره أيضا في أمور مملكته. ولما استخلف القاهر بدين الله العباسي، المتوفى السنة 329 هجرية، طلب من محتسب دولته الأصطخري أن ينظر في أمرهم، فأفتاه بقتلهم أو إشهار الإسلام، وكانت محنة حقيقية لهم، لكنهم نجوا منها برشوة الخليفة.

صار الصابئة المندائيون جزءا لا يتجزأ من المجتمع العراقي، وإن لم تكن الدولة العثمانية تعترف بهم، كطائفة، لكن وجودهم في الأطراف أبعدهم عن المواجهة، ومن دون إغفال اعتزاز شيوخ القبائل بهم، لأنهم أولا كانوا مسالمين وثانيا لأنهم اختصوا بصناعة أدوات الإنتاج، كأدوات الفلاحة، وهذا مهم جدا في دوام الدخل لشيوخ القبائل.

بيت المعرفة المندائية
ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام 2013 تم، مؤخّرا، وضع حجر الأساس لـ«بيت المعرفة المندائية»، وهو أول صرح ثقافي في بلاد الرافدين مخصص لأتباع هذه الديانة القديمة.

ويهدف هذا المشروع إلى إبراز ثقافة الصابئة المندائيين وإرثهم الحضاري ومساهمتهم في الحركة الثقافية والأكاديمية في العراق وتقديم نموذج للتسامح الديني والتعايش السلمي المكفول دستوريا بحق المعرفة والتراث.

لكن في عهد الدولة الوطنية العراقية (بداية من العام 1912)، ومن قبلها السيطرة البريطانية، ظهروا كوجود اجتماعي معترف به، فظهرت قوانين تحفظ لهم وجودهم، وكيانهم الديني، ولهم الحق في التحكم بأمور فقههم، من زواج وعلاقات أخرى، وحشروا مع المجتمع ودخل شبابهم إلى الأحزاب الوطنية، فصار منهم قادة في الحزب الشيوعي، ودخل بعضهم في حزب البعث وبقية الأحزاب، لكن أكثرهم كانوا ينتمون إلى اليسار.

ما هو مؤكد أنهم طائفة من أقدم الطوائف العراقية، ذلك إذا حسبنا أنهم مازالوا في طقوسهم يتحدثون اللغة الآرامية، لغة العراق القديمة، وأن كتابهم المقدس “الكنزا ربا” قد ظل لقرون مكتوبا بهذه اللغة، حتى ترجم إلى العربية ونشر في بداية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.

كان عددهم في العراق، حتى نهاية الخمسينات، نحو سبعة آلاف نسمة، ثم صعد العد إلى خمسة عشر ألفا، وفي نهاية الثمانينات، من القرن الماضي، صار عددهم خمسين ألفا داخل العراق، ولهم امتداد في إيران، منطقة الأحواز، فقد كان عددهم يبلغ هناك نحو خمسة وعشرين ألف نسمة.

على أية حال يمكن القول إن عددهم في العالم يفوق المئة ألف. أما تسربهم من داخل العراق فله صلة بالحرب العراقية الإيرانية والحصار الاقتصادي على العراق (1990-2003)، إضافة إلى سنوات العنف التي عقبت سقوط النظام العراقي السابق، بما أنه ليس هناك إحصاء دقيق، لكن العدد الأكبر منهم واجه الاضطهاد من قِبل الميلشيات الإسلامية المسلحة، السنية والشيعة، بعد احتلال العراق، ويشار إلى أن عددهم قد تضاءل كثيرا، وربما لم يبق منهم أكثر من عـــشرة آلاف نســمة.

لهم مجلس روحاني ورئاسة طائفة، تقوم بدور متابعة أحوالهم الدينية، يترأسها شيخ بدرجة دينية كبرى “ريش أمة” أي رئيس الأمة، وذلك إذا علمنا أن درجاتهم الدينية كالآتي: الحلالي، والتلميذة، والكنزبرا (مفسر الكتاب المقدس) وريش أمة، والرباني، لكن الدرجة الأخير لم يبلغها إلا يوحنا المعمدان، أي النبي يحيى، واسمه في المندائية: يهيها يهانا، ومعناها محي الأمة، واسم يحيى، على ما يبدو، منحوت من تلك التسمية.

مازالت دولة إيران الإسلامية غير معترفة بهم رسميا، وذلك أن الدستور الإيراني يعترف باليهودية والمسيحية والزرادشتية فقط، بينما هم ذكروا في الآيات التي اعترف بها بتلك الديانات، وإذا الزرادشتية أو المجوسية وردت في آية واحدة، فالصابئة ورد اسمهم في ثلاث آيات، لكن الدستور الإيراني يتبع رسالة الخميني الفقهية “تحرير الوسيلة”. بينما مرشد الثورة علي خامنئي يعترف بأنهم موحدون، لكن هذا الاعتراف لم يغير في الموقف الرسمي منهم. لنا القول إنهم أكثر الطوائف قلقا في الشرق الأوسط.

7