الصادق المهدي يصطاد في ماء رحيل الترابي

الأربعاء 2016/03/09

قابل السودانيون مرثية الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة القومي، في رحيل زوج أخته حسن الترابي، مؤسس وأمين عام حزب المؤتمر الشعبي المعارض، بدهشة واستغراب، فالمرثية جاءت أشبه بالسيرة الذاتية لعلاقته بالفقيد، وتناولت القواسم المشتركة والعلاقات الحميمة التي جمعت بينهما، وهوّن من الخلافات التي نسبها لاختلاف في المواقف لا الأفكار والأيديولوجيا.

الاستغراب منبعه أن الرّجلين كان بينهما ما صنع الحداد، وقالا في بعضهما ما لم يقله مالك في الخمر، والشعب السوداني، بأجمعه، يدرك بأن الخلافات بينهما كانت أكبر بكثير مما ورد في المرثية التي كانت ستكون أصدق لو ركّزت على التّرحم عليه، غير أن ما دعا الصادق المهدي إلى كتابة هذه المرثية تمثّل في حيث يكمن الشيطان، فبين سطور تلك المرثية يد ممدودة للتحالف والتعاون حتى لو دعا الأمر إلى الاندماج مع حزب المؤتمر الشعبي الذي رحل عنه الترابي إلى غير رجعة، فالصادق المهدي تعود وراثة الكيانات السياسية بدءا بحزب الأمة وكيان الأنصار، اللذين لازال يتصارع مع بقية الورثة أمثال مبارك الفاضل والهادي المهدي وغيرهما فيهما، وهو الآن يريد نصيبه من المؤتمر الشعبي الذي كوّنه زوج أخته الراحل حيث يتوهم أن الطريق مفروشة بالورود، فالمتوفى تمكّن من بناء حزب قوي وكبير ومؤثّر على الساحة السياسية في السودان، ولكنه غفل عن بناء قادة فكريين يملكون مثله خبرات التنظير، وهم الآن يعيشون في حالة ارتباك بسبب موته المفاجئ، فهم لم يعتادوا على المبادرة ولكنهم كانوا ينتظرون رؤيته في كل صغيرة وكبيرة، وقد نجح في أن يبني منهم قادة يجيدون الدهاء السياسي وإدارة الأزمات الخلافية، وقرأ الصادق المهدي حاجتهم لمنظّر يرث موقع الفقيد الذي لم يزرع في قيادات حزبه غير ترديد أفكاره وتقليده، فقد كان الفقيد لأتباعه بمثابة المرجع الأعلى عند الشيعة وبابا الفاتيكان عند المسيحيين، والصادق المهدي شخصية تجيد التنظير والمراوغة الفكرية، وأيضا تملك كاريزما كتلك التي يتمتع بها زوج أخته الراحل مع بعض الفوارق الشكلية، غير أن عقدة عدم الثقة في تجسيد تنظيراته على أرض الواقع، أو العمل بمفرده كحزب سياسي، تجلّت في تحالفاته المتعددة حتى لو اضطره الأمر لعقدها مع خصومه.

التوقيت الذي رحل فيه الترابي، بقدر ما كان محبطا لمنتسبي حزب المؤتمر الشعبي، إلا أنه نزل بردا وسلاما على أحلام الصادق المهدي الواهمة، فهو الآن يعيش بين منافي اختيارية بناها لنفسه، ومختلف الخيوط فلتت من يده، لأن حزب الأمة الحالي الذي يقوده، أصبح أقرب لشلة من شلل الحزب منه إلى الحزب المتشظّي الذي تحوّل في عهد إدارته له إلى كانتونات سياسية صغيرة كل منها يحمل مسمى خاصا به، فالحزب بالأساس نشأ كحزب تحرري لمناهضة الاستعمار والمناداة بوحدة السودان وانفصاله عن جمهورية مصر العربية، وكان الحزب الأكبر والأكثر جماهيرية قبل أن يتولاه الصادق المهدي الذي حكمه بعقلية الوريث، ولم يحاول تجديد أدواته برغم تحرر السودان وتعاقب العديد من الحكومات الوطنية والعسكرية، واتضاح الروابط الأزلية مع الشعب المصري، وقد اتّخذ الصادق المهدي من مصر منفى اختياريا لمعارضة الحكومة ومقاطعة الحوار الوطني.

رغم استحالة تحقيق حلم الصادق المهدي بوراثة شيء من المؤتمر الشعبي، إلا أن القارئ لمرثيته يحسّ بقوة تمسّكه بالحلم، خاصة وأن قسما كبيرا من الشارع السوداني بدأ يحسّ بأن رحيل الترابي سيقود البلاد نحو الأفضل.

كاتب سوداني

9