الصانع الثقافيّ المفقود

الثلاثاء 2014/05/20

أمام المِحَن المتعاظمة، والدمار المعمّم، يحضر الحديث عن الثقافة بمعناها الشامل لتكون مصدر انبثاق الأمل في التغيير، ولحين النهوض بذاك الدور على المثقّف أن يواجه ذاته ويجيب عن بعض الأسئلة التي من شأنها أن تنير العتمات، وتعبر الأنفاق إلى غدٍ منشود.

لماذا يغيب الصانع الثقافيّ في الحياة الاجتماعيّة في مجتمعاتنا..؟ هل يأتي ذلك في ظلّ التغييب أم أنّه بات عادة لمثقّفٍ يلوذ بالاستعلاء على هموم الآخرين والانشغال بذاتيته التي يظنّها محور الكون..؟ هل كان هناك صانع ثقافيّ في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة أم أنّ الحديث عن هذا الدور هو محض وهم لا غير..؟

هل أعادت الثورات العربيّة المثقّف إلى المجتمع وبدّدت غربته أم أنّها أنتجت نوعا جديدا من الاغتراب؟ ألا يكون الحديث عن أيّ دور ثقافيّ منشود في ظلّ تنامي العنف وتأجّج المعارك مشوبا بالرومانسيّة التي تنسفها الوقائع..؟ هل وصلت الثقافة في العالم العربيّ إلى درجة صناعة رأي أو بلورة موقف أم أنّها ما تزال تابعة للإعلام والسلطات..؟ ألا يثير فقدان هذا الدور الرعبَ من عتمات متجدّدة بصيغ مختلفة، ولاسيّما أنّنا على أعتاب مراحل جديدة تقتضيها المتغيّرات والمستجدّات..؟

هل صحيح أنّ الأنظمة التي خلقت شريحة من المثقّفين وأطّرتهم في دوائر من الانتفاع والارتزاق، وفرّغت الثقافة من جوهرها، لا تزال قادرة على فرض صناعتها فقط بغضّ النظر عن تخبّط الثوّار بين رؤى متناقضة..؟ ألم تبدِ صورة المثقّف بهيئة بائسة زريّة تبعث على الاستهجان، مثيرة للشفقة، وخلقت فجوة في التواصل بين الناس والجانب الثقافيّ الذي يكون محمّلا بالهموم الاجتماعيّة..؟

هل يُمرئ المثقّف في اشتغاله ما يتمّ حجبه والتعتيم عليه بحجّة أو أخرى أم أنّه سيتقوقع على نفسه في مجابهة بركان الغضب الشعبيّ من الإلغاء والتهميش..؟ هل يمكن أن يستعيد المثقّف سلطة المؤسّسات التي محيت أمام هيمنة العسكر ورجال الدين..؟ كيف يمكن ترميم العطب المتفشّي في أوصال مجتمع يُدفع إلى إعلان الحرب على نفسه..؟ كم من المثقّفين يتمتّعون بالقدرة على الفعل والتأثير وإمكانيّة الدفع إلى التغيير..؟ هل يستطيع المثقّف أن يجابه تشوّه البنى النفسيّة والاجتماعيّة ويقوم بتشريحها دون أن يبقى في عين العاصفة وفوهة المدفع..؟

هذه الأسئلة مع أسئلة أخرى كثيرة تخطر في الأذهان، وتعبر الأفئدة، تنتظر الإجابات والاجتهادات. كلّ سؤال في طبيعته يكون مثيرا لدائرة من المواجهة الذاتيّة قبل المواجهة مع الآخر الذي يكون الشريك في الطريق إلى صناعة تليق بالثقافة والمجتمع، لا الجحيم الذي ظلّ مخيّما لعقود.


كاتب من سوريا

15