الصبي

الجمعة 2017/06/02

العطاء في كل زمان ومكان ليس فعلا عاديا، وليس كرما أو سخاء، بل هو ضرورة للإنسان، كي يشعر بإنسانيته، وكي يدرك أن له شركاء آخرين في الحي والقرية والمدينة والعالم، يجب عليه أن يتشارك معهم في ما لديه. فالعطاء لا يقتصر على المال بل يشمل كل شيء، حتى التعابير اللطيفة.

وكنت قد قرأت مقالا كتبه أواسط الخمسينات في مجلة الإذاعة العالم والأديب علي الطنطاوي، وذكر فيه أن الشيخ سليم المسوتي في دمشق “كان على فقره، لا يرد سائلا قط، وكان يوما في رمضان وقد وضعت المائدة انتظارا للمدفع، فجاء سائل أقسم أنّه وعياله بلا طعام. ففتح له الشيخ وأعطاه الطعام كله.

فلما رأت ذلك امرأته ولولت عليه، وهو ساكت. فلم تمرّ نصف ساعة حتى قرع الباب وجاء من يحمل الأطباق فيها ألوان الطعام والحلوى والفاكهة. فسألوا: ما الخبر؟. وإذا الخبر أن سعيد باشا شمدين كان قد دعا بعض الكبار فاعتذروا، فغضب وحلف ألاّ يأكل أحد من الطعام، وأمر بحمله كله إلى دار الشيخ المسوتي”.

كان الطنطاوي من ظرفاء الناس، وكانوا يظنونه أصغر من عمره الحقيقي. يروي أنه، ذات يوم، طرق بابه بعض الغرباء، يريدون مقابلته، فلم يعجبهم شكله، يقول “فوقفت أنظر إليهم فأرى أنَّهم غلاظ، وينظرون إلي على أنّي صبي. فقالوا، أهذه دار فضيلة الشيخ الطنطاوي؟ فقلت: نعم. فقالوا: هل الوالد هنا؟ فقلت: لا. ثم سألوني: أين نلقاه؟ فأجبت: في مقبرة الدحداح على الطريق المحاذي للنهر من جهة الجنوب.

قالوا: أيزور أمواتا؟ فقلت: لا. قالوا: إذا؟ فقلت: هو من ُيزار. فصرخ أحدهم في وجهي صرخة مرعبة وقال: مات؟ كيف؟ فقلت: جاء أجله ومات. فقالوا: عظم الله أجرك، يا خسارة الأدب. فقلت إنّ والدي كان من أجلّ أهل العلم، ولكنه لم يكن أديبا. فقالوا: مسكين أنت لا تعرف أباك. وانصرفوا”.

وحكى أنه انتدب مرة إلى العراق لتدريس الأدب، فوصل لأول مرة متأخرا، وكان في القاعة مدرس مساعد يملأ الفراغ، فاعتقد أن الطنطاوي أحد الطلاب فقال له: وأنت يا “زمال”، لماذا تأخرت عن الحصة؟ فاعتذر الطنطاوي، وجلس مع الطلاب في الصف. ثم قال المدرس للطلاب: يأتيكم اليوم لتدريس الأدب الأديب الكبير علي الطنطاوي، فلا تسوّدوا وجهي أمامه.

وأخذ المدرس يحاول مراجعة المنهاج معهم، قبل وصول الأستاذ الجديد، فانسجم الطنطاوي وأخذ يجيب على الأسئلة. فقاطعه الأخير قائلا: أنت طالب جيد، ما اسمك؟ فأجابه، اسمي علي الطنطاوي. فكاد أن يغمى على المدرس من الحرج. وضجت القاعة بالضحك.

24