الصبيّ الملون.. إلياس إيزولي يحمل "أولاده" أثقالا شاقة

الفنان السوري يقدم في معرضه "سبع سنوات" مجموعة من الأطفال المُنكسرين، المحنيي الظهر تعبيرا عن واقع الأطفال الناشئة السوريين ومعاناتهم .
الأحد 2018/03/04
حالات طفولية تجعل المشاهد يتساءل: من أنا؟ من نحن؟

قدّمت صالة "أيام" في بيروت معرضا للفنان السوري إلياس إيزولي تحت عنوان "سبع سنوات"، تضمّن مجموعة من اللوحات التشخيصية، التي مثلت بالنسبة للفنان حالة كل من مكث في سوريا خلال السنوات السبع الأخيرة.

ويوضح البيان الصحافي الذي رافق المعرض أن الفنان “استمر بتقديم أشكال وأشخاص جدد باحترافيته العالية لفن الرسم وحساسيته الشديدة للألوان، متأثرا بفضائه ومحيطه الآني".

غير أن هذه الاستمرارية تعرّضت إلى تحوّلات بارزة خلال السنوات المشار إليها، وتمخضت عنها سلسلة من اللوحات خفّت فيها وتيرة التكسرات التي بالرغم من أنها لم تختف، إلا أنها انكفأت إلى أجساد شخوصه المرسومة.

سيرة الصبيّ الملون

في هذا المعرض، كما في المعرض الذي سبقه سنة 2016 وقدّمه بمدينة دبي في صالة “أيام”، واستوحاه الفنان من بعض الأعمال الرائعة للفنان السوري لؤي كيالي، الذي يعتبر من رواد فن الحداثة في العالم العربي، أمطر الفنان لوحاته بوابل من الألوان كخبير في علمها وتفاعلها مع بعضها البعض بأسلوب مُبتكر وعصري جدا.

حاول من خلال هذا الأسلوب تخفيف التدرجات اللونية لصالح تجاور بين ألوان بدت أحيانا وللوهلة الأولى غير متجانسة، لأجل ذلك ربما اكتسبت جميع لوحاته حيوية لا تتحمل التدرج وتريد أن تبقى على سلم موسيقي واحد.

وإذا كانت خامة لوحته التي قدمها سنة 2016 تبدو وكأنها مصنوعة أو مدموغة بشكل واضح في جميع مستوياتها البصرية بهيئات لأشكال هندسية/ تجريدية تذكّر بالطائرات الورقية التي يلهو بصناعتها الأطفال، فقد خفّت وتيرة تلك الأشكال في فضاء لوحته الجديدة وانكفأ معظمها إلى أجساد شخوصه المرسومة، أو خفّت وتيرة تأثيرها في عين المُشاهد نتيجة لبراعة الفنان في جعل تجاور النافر مع المنبسط في أقصى التلاؤم وفي خدمة نصه البصري، كما في خدمة الفكرة التي أراد التعبير عنها.

ومن ناحية ثانية، إذا اقترب زائر المعرض من بعض لوحات أخرى سيكتشف أن تلك الأشكال الهندسية المتكسرة والمعهودة في لوحات 2016 مازالت حاضرة في خلفياتها، في فضاء الشخوص المرسومة ولكن ما عليه إلا أن يبتعد عنها، أي عن اللوحات، وينظر إليها عن بعد ليحدث التبدل في التجربة البصرية والتبدل في ما تشير إليه التجربة تلك على السواء.

طفولة سوريّة مُنكسِرة
طفولة سوريّة مُنكسِرة في معرض فني

سيدرك حينها بعض مفاتيح سحر هذا “اللهو” إذا جاز التعبير، الذي برع في سن قوانينه الفنان ما بين المختفي والظاهر والعكس بالعكس.

لا يمكن لزائر المعرض ألّا ينتبه كيف استدارت أو انبسطت تكسرات 2016 “سحريا”، أو “فعليا” في لوحات الفنان وتحولت إلى زخات لونية، و”بيانات” ملونة ومعاصرة، تذبذبت في لوحاته لتواكب شخوصه في وتيرة منخفضة.

 زخات لونية/ رقمية تماوجت، تقاربت، وتباعدت فأدخلت بفعلها هذا الشخوص المرسومة إلى ما يشبه فقاعات غير مرئية احتمت فيها من عيون مُشاهدي اللوحات والمدققين في أحوالهم النفسية البارزة.

أمام هذه الحساسية والدراية الكبيرة في توظيف الألوان، والأشكال النافرة لخدمة الأفكار المطروحة في اللوحات يجدر الذكر أن الفنان إلياس إيزولي، المولود في دمشق سنة 1976، بنى نفسه بنفسه فنيا خارج دراسة أكاديمية أولية.

 ظهرت موهبته باكرا عندما كان لا يزال في السابعة عشرة من عمره و أُقيم له معرض فردي آنذاك في المركز الثقافي الروسي. كما شارك في معارض جماعية كثيرة في مدينة دبي وفي مزادات صالة “أيام”، وهو ناشط على الساحة الفنية منذ سنة 1993.

من هم؟

أمام هذه اللوحات تبرز عدة أسئلة: كيف استطاع الأولاد الذين رسمهم الفنان في وضعيات مُختلفة في لوحاته أن يبدوا وكأنهم يرفعون جميعهم أكفّهم في وجه الناظرين إليهم في محاولة واضحة للحد من “اقترابهم” منهم؟ كيف باتت هذه “الفقاعات الوهمية”، التي يحتمي بها هؤلاء الأولاد أكثر ما يستطيع الفنان أن يجذب بها عين المُشاهد إليهم؟

أما السؤال التالي الذي قد يكون منبثقا من السؤالين الأولين فهو: ما سر أجواء اللهو التي لا تعرف كيف أن تتحقق؟ ما سر اللهو الذي يبقى فكرة منهكة ولا يعبر عن ذاته، في أجواء اللوحات المشحونة بطاقة الطفولة، إلا في خيال هؤلاء المشدوهين أمام ألعابهم كدولاب الهواء والطابة الملونة والمهرج/ الدمية في لا مبالاة لافتة وتململ سقيم؟

من هم هؤلاء الأولاد الذين أعياهم الملل جسديا فتهالكوا في بعض اللوحات بوضعيات أجسادهم المترنحة تحت مطر ملوّن غريب تركيبه. مطر لم ينهمر من كوكب آخر، بل نابع من صميمهم؟

من هم هؤلاء الذين ينظرون في وجوهنا دونما رجاء؟ ومن هم هؤلاء الذين لا يشعرون بنا في نظراتهم التائهة التي تتلقف أيّ وميض قد يعيد الألق إلى هواياتهم الخاصة.

يبدو ذلك جليا في لوحات كتلك التي تظهر صبيا وبقربه حصانه الخشبي الذي لا يمتطيه إلا ظل صبي، وخيال الصبي. كما يبدو واضحا في لوحات كتلك الذي تحتضن صبيّا أزرق الشعر والمزاج، ولوحة أخرى تكاد فيها طابة ملونة مُعلقة في الفراغ، تحتضر شوقا للعب مع فتاة يعتصرها قلق غامض.

نذكر أيضا لوحة أخرى يظهر فيها رمز من رموز المغامرة، قارب أزرق، في راحة يد صبي يلبس البحر ويتوق إليه وإلى ذاته دون أن يجد لهذا الحلم الإذن بالتحقق.

أجوبة عديدة يمكن لها أن تأتي في نجدة هذه الأسئلة، وإسقاطات شعورية متنوعة قد يحلو للبعض أن يصبغوا بها لوحات الفنان إلياس إيزولي، ولكن أغلب الظن أن معظم الزائرين قد يفضلون الخروج من الصالة وهم يتساءلون "من نحن؟"، وهم كمثل معظم هؤلاء الأولاد، لا هم يريدون ولا هم يرجون إجابة.

14