"الصبي الذي روض الريح" سحر الفيلم الأفريقي

أنشودة عن التكاتف الاجتماعي في مواجهة الفقر والمجاعة، والفيلم يتميز بشاعرية بصرية دون أن يتخلّى عن النقد السياسي.
الجمعة 2019/03/29
في الطريق إلى التغيير

كان من مفاجآت شبكة “نتفليكس” عرض الفيلم الأفريقي الجديد “الصبي الذي روض الريح”، وهو أول فيلم يخرجه الممثل البريطاني من أصل نيجيري شويتيل إيجيوفور (42 سنة) الحاصل على جائزة الأكاديمية البريطانية (بافتا) عن دور البطولة في فيلم “12 عاما في العبودية” (2013)، الذي حقق نجاحا تجاريا كبيرا وأعتبر واحدا من أفضل الأفلام التي ظهرت عن العبودية في الولايات المتحدة.

عرض فيلم “الصبي الذي روض الريح” The Boy Who Harnessed the Wind أولا في مهرجان ساندانس الأميركي ثم نظمت له عروض سينمائية محدودة، قبل أن تبثه شبكة “نتفليكس” مؤخرا في أول رد عملي على من يتهمون الشبكة بأنها لا تهتم سوى بالأفلام الأميركية والأوروبية، فهذا فيلم أفريقي مئة في المئة.

صحيح أن مخرجه شويتيل إيجيوفور النيجيري الأصل يقيم حاليا في لوس أنجلس ويحمل الجنسية البريطانية، إلاّ أنه يرتبط بثقافته الأصلية، وقد أصرّ على تصوير فيلمه الأول في المواقع الطبيعية لأحداثه في مالاوي، الواقعة في جنوب شرقي أفريقيا والتي تشترك في الحدود مع زامبيا وموزمبيق.

إلى جانب السيناريو والإخراج، قام شويتيل إيجيوفور أيضا بدور رئيسي في الفيلم وهو دور “تريويل” رب أسرة كامكوامبا المسؤول عن زوجته أنييس وابنته الشابة آني وابنه المراهق ويليام، كما أنجب الزوجان طفلا مازال رضيعا.

ويستند الفيلم على كتاب بالعنوان نفسه صدر عام 2009 يقص فيه ويليام كامكوامبا قصته الحقيقية، كيف ولد ونشأ في أسرة فقيرة في إحدى قرى مالاوي، لكنه استطاع بعبقريته التي تجلّت مبكرا، وتمثلت في ولعه بالاختراعات والابتكارات العلمية، أن يتوصل إلى حل عملي لأزمة الجفاف التي ضربت قريته والمنطقة كلها في بداية الألفية الثالثة، وكادت أن تؤدي إلى مجاعة كبرى تتسبب في هلاك أفراد أسرته وسكان القرية.

الطفل الفقير

الأب يتخلى عن دراجته لصالح ابنه
الأب يتخلى عن دراجته لصالح ابنه

 كان ويليام في ذلك الوقت طالبا حُرم من استكمال تعليمه بسبب عجز والده عن دفع المصروفات الدراسية، لكنه تمكّن من التسلل إلى مكتبة المدرسة بمساعدة مدرس كان مرتبطا بعلاقة غرامية مع شقيقته آني، وقد استخدم هو معرفته بهذه العلاقة التي كانت فصولها تدور سرا، لكي يرغم المدرس العاشق على التوسّط له لدى أمينة المكتبة حتى سمحت له الاطلاع على الكتب العلمية، وبذلك استطاع أن يجد فيها ما كان يبحث عنه من أفكار وطرائق علمية مكنته من التوصل إلى ابتكاره العلمي.

سيبذل ويليام بعد ذلك جهدا كبيرا في إقناع والده الذي كان يسخر من انصرافه طوال الوقت إلى التفكير في اختراعه مطالبا إياه بالانضمام إليه والعمل معه في الحقل، كما أبدى تشككا كبيرا في إمكانية أن يتمكّن بفضل هذا الاختراع الذي يشغله من تقديم حل للمشكلة المعقدة التي تواجهها الأسرة والبلدة كلها.

فيلم "الصبي الذي روض الريح" يستند على كتاب بالعنوان نفسه صدر عام 2009 يقص فيه ويليام كامكوامبا قصته الحقيقية

وبعد شد وجذب ومناقشات محتدة وأمام شعور الأب باليأس وحبه الشديد لابنه في الوقت نفسه، وتحت ضغط شعوره بالذنب لما آل إليه مصير الأسرة، يرضخ الأب أخيرا ويوافق على أن يتخلى لابنه عن دراجته لكي يفككها ويستخدم عجلاتها في صنع مروحة عملاقة، يمكنها توليد طاقة كهربائية تدفع بالمضخة البدائية العتيقة للعمل في استخراج المياه الجوفية لريّ الأرض الجافة المتشققة، وبهذا يضمن وجود محصول من الذرة يمكنه تزويد الناس بالطعام وبيع الفائض منه.

هذه القصة يرويها الفيلم من خلال أسلوب بصري بديع، ولغة سينمائية بسيطة وموحية وسلاسة في السرد وتدفق في الإيقاع، وإحاطة جيدة بالجوانب الفرعية الأخرى وربطها بالسياق الأصلي للفيلم، دون أن يتخلّى عن النقد السياسي.

ولا شك أن تأثير الفيلم يرجع أيضا إلى الأداء التمثيلي الصادق والمقنع، رغم أن إيجيوفور استخدم الكثير من الممثلين غير المحترفين وقام بمزجهم مع قليل من الممثلين المدربين وعلى رأسهم ماكسويل سيمبا في دور ويليام بأدائه الواثق، وجاذبيته، وقدرته على أن يستولي على مشاعر المشاهدين بحزنه النبيل وعينيه الحالمتين وإيمانه بالمعجزة العلمية التي ستصبح حقيقة واقعة.

النقد السياسي

تعايش سلمي بين القبائل الأفريقية
تعايش سلمي بين القبائل الأفريقية

من الجانب السياسي يتعرّض الفيلم لدور الشركات الاحتكارية في إفقار الفلاحين، فيصوّر كيف تأتي واحدة من هذه الشركات إلى القرية، تعرض سعرا مرتفعا نسبيا على المزارعين مقابل شراء أشجارهم، وتحرمهم بالتالي من مصدر ثروتهم الحقيقي.

يوافق الكثيرون منهم وتبدأ الشركة في قطع الأشجار في مشهد من المشاهد الكبيرة المؤثرة في الفيلم، بينما يحتج تريويل على الصفقة ويحذر أقرانه وعلى رأسهم شقيقه، من أنها ستؤدي إلى الدمار بل إنها تدفع الفلاحين إلى ترك الأرض والنزوح إلى المدينة، كما يفعل شقيقه الذي يهجر الأرض التي ورثها من أبيه، بينما حُرم منها تريويل المتهم في أنظار شقيقه بأنه بدّد المال على تعليم ابنه ويليام وابنته آني التي ترغب في الالتحاق بالجامعة بعد أن تفوقت في شهادة إتمام الدراسة الثانوية.

جاءت الأمطار والسيول وأغرقت الأرض وأفسدت الزراعة، أعقبها الجفاف الذي أدى إلى عجز تريويل عن زراعة قطعة الأرض الصغيرة التي يملكها وتعيش أسرته على ما يأتيها منها.. ويصبح على الأسرة الآن أن تكتفي بوجبة واحدة من الطعام، وتدخر المخزون الضئيل من الذرة الذي تملكه، لكن تريويل يذهب إلى المدينة لكي يشارك في مظاهرة للمعارضة للضغط على الحكومة حتى تتدخل وتجد حلا للمشكلة، وأثناء غيابه يهجم بعض الجوعى من سكان القرية على المخزن الذي تحتفظ فيه أسرة تريويل بالحبوب ويسرقونه.

وعندما يأتي رئيس الجمهورية في زيارة للقرية في سياق الدعاية الانتخابية يتصدى له زعيم القبيلة ويلقي خطابا جريئا يطالبه بالتدخل لإنقاذ حياة الفلاحين، ويشير إلى الفساد الموجود في الحكومة.. وتكون النتيجة أن يقبض حراس الرئيس على الرجل الذي يعتبر زعيم القرية المختار، ويعتدون عليه بالضرب مما يسوقه إلى مصيره المأساوي في نهاية الأمر.

تنعكس المأساة على أسرة تريويل عندما تغادر ابنتها آني مع المدرس الذي يحبها إلى بلدة أخرى لا تتحدث لغتها.. ويكاد ويليام أن ينشق عن الأسرة ويهجر القرية، بحثا عن مكان آخر يحقق فيه طموحه بعد أن منع حتى من التردد على مكتبة المدرسة، لكن الأمر سيقتضي تكاتف السكان معا وقناعتهم بأهمية إتاحة الفرصة له من أجل التوصّل إلى حل، وهو ما يحدث في مشهد من أجمل وأكثر مشاهد الفيلم تعبيرا عن روح الجماعة في الثقافة الأفريقية.

التنوع الديني والتعايش

المخرج شويتيل إيجيوفور آمن بقدرات الممثل ماكسويل سيمبا الذي تميز في دور ويليام بأدائه الواثق وجاذبيته
المخرج شويتيل إيجيوفور آمن بقدرات الممثل ماكسويل سيمبا الذي تميز في دور ويليام بأدائه الواثق وجاذبيته

يهتم سيناريو الفيلم بإبراز التنوع الديني في القرية، ويبرز كيف يتعايش أهلها معا في سلام من دون أي تعصب، فالزعيم مسلم، وتريويل مسيحي، وزوجته علمانية تعلن بوضوح أنها ضد التضرع للمسيح لإنقاذ القرية، بل تؤمن بضرورة التوصل إلى حل عملي بعيدا عن الاعتماد على الميثولوجيا الدينية.

وهناك قبيلة أخرى يأتي بعض أفرادها من بلدة مجاورة، يظهرون عند وفاة أحد الأشخاص، يقدّمون واجب العزاء ولكن على طريقتهم الخاصة، يرتدي أفرادها أقنعة وملابس مزركشة ويرقصون طبقا للفلكلور المستمد من ماضي الأسلاف (الوثنيين).. ورقصاتهم ما هي سوى تعبير عن الاحتفال بالموت وتشييع الميت، يقابلهم أهل القرية باحترام وتقدير ويتقبّلون منهم هذا النوع من “العزاء”، وهذا الاحترام لثقافة الآخر يضيف قيمة أخرى إلى هذا الفيلم.

التناقض ظاهر في الفيلم بين الفقر والجفاف والحياة الشاقة والاستغلال الطبقي وانحياز الحكومة للأغنياء على حساب الفقراء، ودور البنك الدولي في تركيع البلاد وخضوع الحكومة للضغوط على حساب الشعب، وبين الطبيعة الأفريقية الساحرة من خلال كاميرا مدير التصوير ديك بوب في لقطاته العامة الملتقطة من بعيد، التي ترصد تغيّر الطقس بين لحظة وأخرى، وتمسح الأفق في حركتها البطيئة المسترخية التي تتناغم مع طبيعة السكان وحياتهم الرتيبة.. وتصطبغ بالألوان الطبيعية المتمايزة بين الأزرق والأصفر والأخضر، ثم مع انتشار الجفاف ينتشر اللونان الأصفر الفاتح والأبيض.

“الصبي الذي روض الريح” عمل أصيل، يتميّز بالرصانة والرقة، ويجذبك لمتابعة فصوله بشغف كبير رغم أن القصة الحقيقية الأصلية لبطله معروفة ومعروف كيف انتهت في الواقع، لكن سحر الفيلم يطغى دائما.. فوق الواقع.

16