"الصبي سارق الفجل" سيزيف صيني ساخر

تتسم أعمال الأديب الصيني الحائز على نوبل في الآداب عام 2012 مو يان، بنزوع سيري بارز، حيث ثمة ترددات لصورة ذاتية لحياة الطفل الذي عاشه الكاتب في قريته قاو مي، والمهن التي امتهنها وهو صغير فيها قبل أن يلتحق بجيش التحرير، وإن كانت ثمة مسافة بين كتابة الذات الخالصة، التي تخضع كاتبها لقسم سيري، وهو معيار مهم من دونه يخرج أي عمل من فضاء كتابة الذات، وكتابة التخييل الذاتي كما هي عند مو يان، وتكاد تكون تيمة أصيلة في معظم أعماله (على الأقل ما ترجم من أعمال إلى اللغة العربية).
السبت 2016/08/27
صبي تعتصره الحياة

لا تفارق رواية “الصبي سارق الفجل” للكاتب الصيني مو يان فضاء الريف الذي برع الكاتب في تصويره في أغلب أعماله الروائية، فمنذ الاستهلال الذي تغلب عليه رومانسية حالمة، يصف المناظر الريفية المحيطة بالقرية، خاصة الأشجار والنباتات، دامجا بينها وبين وصف البنات اللاتي يعملن في تكسير الأحجار ومرور نائب رئيس العمال ليو، وتوبيخه لهن. اللافت أن البطل، الصبي الأسمر، يتنقل بين مهن عديدة لا علاقة لها بالزراعة، مثل مساعد عامل بناء، وعامل في تكسير الأحجار ثم أخيرا مساعد حداد، إلا أن المحيط الذي يتحرك فيه ينتمي إلى هذا الفضاء الريفي، وكذلك العاملات في تكسير الأحجار، فالحقول متصلة بمواقع العمل.

ضد البساطة

قراءة الرواية على أنها حكاية هذا الطفل، الذي وصفه الدكتور محسن فرجاني في تقديمه للرواية بأنه «الولد الأسمر ابن العاشرة الذي يبدو وكأنه صورة منقولة من قصص رسوم الأطفال، يتطلع إلى الشمس فيجد أشعتها قد تلونت بالزرقة، وينصت ملء أذنيه فيسمع صوت ارتطام شعرة سقطت من رأسه على الأرض، ويمسك بيده الحديد وهو ملتهب وينظر في الظلمة الحالكة فيتجلى لعينيه منظر الفجل الشفاف، حتى تخاله عفريتا من الجن»، فيها تجن وظلم للرواية والروائي الحاصل على نوبل، فالحكاية التي قدّمها المؤلف تبدو حكاية بسيطة ومتكرّرة في مناطق مختلفة، حيث صورة الطفل المقهور من عائلته، والذي ترمي به الظروف في طريق العمل المبكر، متحملا كافة أنواع الشقاء، دون أن يجأر بالشكوى أو حتى يستمال لتعاطف ما، إلا أن الكاتب ركز على الجوانب النفسية للبطل، مظهرا انفعالاته الصامتة إزاء ما يواجه من مصائب ونوائب، وبالأحرى ما يواجهه من قهر.

يغلف الكاتب عمله بإهاب البساطة كمقابل لقبح الواقع الذي طارد الصبي في كافة أماكن تواجده سواء البيت (وهو مكان لم يتحقّق فيه التواجد إلا للحظات جلب المطرقة) أو العمل. بساطة بادية في كل شيء منذ الحكاية البسيطة التي تدور في فلك شخصية الصبي، ومَن تَعرَّف عليهم من شخصيات الرواية بحكم الرباط العائلي كزوجة الأب بعد أن هجرهما الأب (هو وأخوه)، أو بحكم العمل (لاحظ لا توجد علاقة صداقة وإن كانت ثمة علاقة تعاطف) وتنوّعهم بين شخصيات خيّرة كالفتاة جيوتزه والشّاب البنّاء والشيخ الحداد، وأخرى شريرة وما أكثرها في محيط عالم الطفل، وتشمل زوجة الأب التي يجد لها شبيها في صورة نائب رئيس العمال ليو (سليط اللسان)، عندما يشمّ من فمه الرائحة الكريهة.

تمتد البساطة لتشمل تشكيل العمل أيضا فالزمان يقف ثابتا لا يكاد يتحرك إلا عند أيام معدودة في حياة هذا الصبي، لا تزيد عن الشهر، دون تداخلات زمنية، أو حتى وقفات يفصح بها عن التاريخ الشخصي للبطل- وإن كانت ثمة ذكرى عابرة- وهو ما انعكس على السرد، فجاء تقليديّا يعتمد على راو عليم يحرك الشخصيات ويسرد عنها، ويكثر من الوصف الذي طغى وهو ما أخذ الرواية إلى رومانسية شفيفة حالمة تجسدت في علاقة جويتزه والشاب البناء.

من الأشياء التي أكسبت النص زخما وعمقا، رغم خلوه من التشكيلات الجمالية هي وسائل المقاومة التي ارتكز عليها

ما بين البساطة المهيمنة على العمل، ورأي النقاد الذين يرون أنها من أفضل أعمال مويان على الإطلاق كما جاء في غلاف الرواية، حيث «تتمتع ببراءة السرد والصدق في تصوير العالم المحيط بالكاتب» تقع الإشكالية!

التمرد على القبح

المتأمل لصورة البطل مجهول الاسم والذي يصفه السارد على طول خط الرواية بالصبي الأسمر، ثم عند نائب رئيس العمال ليو، القرد أو عفريت صغير، والذي «يظل عاري الجسد وقت البرد» يكتشف أن هذا البطل سلبي وإن كان أفضل توصيف له بمصطلح غولدمان “إشكالي”، فعلى الرغم من الصورة التي يصدرها للجميع بصمته أنه ضدّ، إلا أن إشكاليته تظهر في تعرية هذا الواقع الذي خرج منه، مجسدا لصورة من صور القهر التي عايشها إنسان الريف مع بداية الثورة الثقافية.

صورة الصبي رمز لحالات متعددة، تعرض لها الكاتب أثناء تتبعه مسيرة بطله المهزوم، الذي هو أشبه بسيزيف حاملا صخرة عذابه أينما حل في عمل، فجسده لا يتناسب مع الأعمال التي قام بها، ومع هذا لا يرضخ ويترك العمل، بل يقاوم ويتشبث، الغريب أنه لا يعبر عن أسباب الإصرار لحاجته إلى العمل.

يجسد مو يان حالة العوز التي يواجهها الصبي بالعمل غير المتناسب مع عمره، فهذا البطل الصامت (لاحظ أنه لم ينبس بكلمة، حتى اسمه عندما سألته فتاة تكسير الأحجار جيوتزه عنه لم يجبها) يواجه ظلم العالم له بالصمت.

لا يقف الظلم عند ظلم زوجة أبيه له التي تضربه، وتأمره بأن يذهب لشراء النبيذ لها، أو حتى حالة الاحتقار التي يُقابله بها رئيس العمَّال، وكذلك نائبه ليو والأخير يتمادى في السُّخرية منه طول لقائه به، ثمّ الشّاب مُساعد الحدّاد الذي يحتقره، ثمّ يستغله في سرقة البطاطا ورؤوس الفجل، بل تصل إلى تعريته عندما يُقبض عليه أثناء سرقة رؤوس الفجل، فيجرّده رئيس العمال من ملابسه (سترته الجديدة وحذائه الجديد، وسرواله)، ويتركه عاريا.

زيف الثورة وشعاراتها
هنا تزادد نقمته من هذا العالم الذي يتفنن في ظُلمه منذ أن تركهم الأب وفرّ هاربا، فلم يعد يكفيه ما تعرض له إصبعه من «ضربات الفأس»، حتى أن ظفره «يتهشم ويسقط دون مبالاة بألم»، أو ما صار إليه مع الحدّاد حيث تحوَّل «إلى قطعةِ من الفحم»، فبعد ما فعله رئيس العمّال كان يغطي عورته من شدة الخجل، رويدا رويدا يتمرد على قبح هذا العالم، وأكذوبة الاشتراكية التي جاءت بها ثورة ماو تسي تونغ الثقافية، فسحب يديه عنها، وصار عاريا كما ولدته أمه، وهو المنظر الذي استفز الحارس الشيخ فـ«راح يبكي دونما صوت».

مو يان كان أشبه بمن يُعري هذه الثورة وشعاراتها التي لم ير صدى لها على بني جلدته في صورة الصبي، لكن نقطة الأمل التي لعب عليها المؤلف في قهر هذا الظلم الواقع على الجميع في إشكالية الصبي الذي واجه العالم كله بسخرية، انتهت بترك عورته عارية، ثم علاقة الحب التي نمت جذورها في تلك الأجواء القاسية بين الفتاة جويتزه عاملة تكسير الأحجار والبنّاء الشّاب، وكأنها رسالة بأنه لا بديل إلا بالمقاومة، وبعد معركة الشّاب البنّاء مع الحدّاد، اختفى الاثنان، وقد خيّم على المكان صمت رهيب، في تأكيد لمعنى التمرد المبطن.

من الأشياء التي أكسبت النص زخما وعمقا، رغم خلوه من التشكيلات الجمالية هو وسائل المقاومة التي ارتكز عليها النص في مقاومة قبح العالم وشراسته.

الجدير بالذكر أن المترجم سعى إلى تمصير الحوار العامي، ليكون مقرّبا من القارئ، ومع حالة التقريب التي سعى إليها إلا أنه وقع في مزالق الكتابة بالعامية حيث الأخطاء الإملائية كثيرة، والتعبيرات الغريبة لمن يجهل العامية المصرية.

17