الصحافة الأجنبية والسلطة الجزائرية: علاقة تحكمها الريبة

تتناول الإعلامية الجزائرية فتيحة بوروينة، في كتابها “مراسلون أجانب أم مشاريع جواسيس”، العلاقة الشائكة بين الصحافة الأجنبية والسلطة، في محاولة لفهم العلاقة التي ظل يطبعها الشد والجذب بين الطرفين منذ استقلال البلاد إلى اليوم.
الاثنين 2016/11/07
التعاطي الحذر خير من الصدام المباشر

الجزائر - تتموقع الصحافة الأجنبية في الجزائر في منطقة رمادية، تغيب فيها الرؤية المهنية الواضحة، وتفتقد إلى الثقة اللازمة، نتيجة تراكمات متشابكة ترسبت عبر عقود من التحولات الإعلامية والسياسية، فبين الرغبة في أداء الرسالة الإعلامية من جهة، وقدسية المصالح الاستراتيجية من جهة أخرى، تتأرجح علاقة متذبذبة ظلت بعيدة عن الأضواء، ويدرك الطرفان أن حتمية استمرارها هي الضامن الوحيد لثباتها، رغم ما يشوبها من ريبة وشكوك.

سلطت الإعلامية والروائية الجزائرية فتيحة بوروينة، الأضواء لأول مرة على إحدى القضايا المسكوت عنها في الممارسة الإعلامية، ويتعلق الأمر بعلاقة الصحافة الأجنبية بالسلطة، في كتاب “مراسلون أجانب أم مشاريع جواسيس”، صدر حديثا واطلع عليه الرأي العام والإعلاميون، في الدورة الحادية والعشرين للصالون الدولي للكتاب، الذي اختتمت فعالياته السبت، حيث تناولت فيه مسار الصحافة الأجنبية في الجزائر منذ الرئيس الأول للجزائر أحمد بن بلة حتى الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة.

وقالت الإعلامية بوروينة في تصريح لـ”العرب”، إن “الحساسية المفرطة للسلطة تجاه الإعلام الأجنبي هي التي قادت إلى شعور المراسلين الأجانب في الجزائر، بالأخص أولئك الذين يحملون الجنسية الجزائرية، بأن السلطة تنظر إليهم على أنهم مواطنون غير صالحين إلى حين يثبتون براءتهم، أو عملاء أو مشاريع جواسيس”.

وأضافت بوروينة “ثمة تعاط حذر، حسب شهادات المراسلين، لمؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة مع ممثلي الإعلام الأجنبي، ما يفسر صعوبة الحصول على المعلومة والوصول إلى مصادرها بسبب غياب عامل الثقة، وهناك معطى تاريخي أيضا، رغم الحظوة التي تمتعت بها بعض الأسماء الإعلامية الكبيرة، الفرنسية على وجه الخصوص؛ كالصحافي بول بالطا ودنيال جانكا (لوموند) وجوان دانيال (نوفل أوبزرفاتور) خلال حكم الرئيس الراحل هواري بومدين، فضلا عن الأسماء الإعلامية من مناهضي الاستعمار الفرنسي، ممن كانت صوتا للقضية الجزائرية خارجيا، أمثال روبرت بارا وهنري علاق، إلا أن السلطة بعد الاستقلال شرعت في حملة تطهير مكثفة، تحت مسمّى “الرقابة الوقائية” لمراسلي بعض وسائل الإعلام الفرنسية، واستمر الوضع إلى ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، بسبب ما اعتبر حينها “كتابات تهويليّة”.

فتيحة بوروينة: ألم يكن في مقدور السلطة إسناد مهمة الترويج إلى إعلاميين جزائريين

وشكلت الحملة الدعائية التي قامت بها السلطة الجزائرية في خمسينية عيد الاستقلال الوطني، مصدر الإلهام الأول للإعلامية فتيحة بوروينة، لفتح أوراق الصحافة الأجنبية في الجزائر للرأي العام، فالعملية التي أنفقت لأجلها الدولة الملايين من الدولارات عبر شراء ملاحق دعائية في عدة منابر أجنبية بباريس وواشنطن وبون ولندن، من أجل الترويج لإنجازات مرحلة بوتفليقة، أثارت الكثير من علامات الاستفهام حول السياسة الإعلامية في الجزائر، ومفعول الحملة في رسم الصورة المنشودة لدى الرأي العام الدولي، ولجوء الحكومة إلى هذا الأسلوب، مع تغييب المراسلين المعتمدين لديها بسبب جدران الشك والريبة بين الطرفين.

وقالت بوروينة “إن حملتي الثالث والخامس من يوليو 2012، بمناسبة خمسينية الاستقلال الوطني فتحتا نقاشا واسعا، وطرحتا تساؤلات عميقة: ألَمْ يكن في مقدور السلطة انتقاء إعلاميين جزائريين ممن يراسلون صحفا أجنبية هامة، لإسنادهم مهمة الترويج لإنجازات الرئيس، أو اختيار صحف محلية لها وزنها في الساحة الإعلامية لمخاطبة الجزائريين دون الحاجة إلى منابر أجنبية، طالما أن الهدف هو الوصول إلى المواطنين الجزائريين ومحاولة إقناعهم بإنجازات رئيسهم؟”.

وأضافت “أعتقد أن السبب هو البحث عن السبق، وليس استعراضا لتجربة خاصة في الميدان”.

ويتناول الكتاب فئة المراسلين الأجانب، وهو أول عمل توثيقي باللغتين العربية والفرنسية في الجزائر، يحاول أن يحرك المياه الراكدة في إحدى الجبهات الإعلامية الصامتة، ويثير الجدل حول علاقة خيّم عليها التذبذب والتشنج والشكوك، ما أثر سلبا على صورة فيها الكثير من الجوانب المشرقة رغم ما فيها من مآخذ، ويحيط الرأي العام علما بالخفايا التي تلف عمل الصحافة الأجنبية في الجزائر، وعلاقتها بالسلطة والعوامل المتداخلة والمؤثرة.

وتضيف الروائية الجزائرية أن الكتاب يسعى لرصد مسار الصحافة الأجنبية في الجزائر، ومدى تأثرها بمرحلة العنف السياسي في البلاد، كما يحاول اقتفاء طبيعة العلاقة بين السلطة والمراسلين الأجانب، ونظرة ممثلي وسائل الإعلام الأجنبية اليوم إلى هذه العلاقة وتصوراتهم لتحسينها.

ورفضت وصف تلك المراحل بـ”الأزهى والأتعس”، معتبرة أن “كل مرحلة سياسية كانت تلقي بظلالها على عمل المراسلين الأجانب، لكن الأكيد أن فترة ما بعد استقلال البلاد شهدت نوعا من التوتر بين السلطة وممثلي وسائل الإعلام الفرنسية على وجه التحديد، على خلفية سياسات إعلامية تم اتخاذها لقص ما أسماه الرئيس الراحل أحمد بن بلة “الأعشاب الضارة” و”هواة الصيد في الماء العكر” من بقايا الحالمين بـ”الجزائر فرنسية”.

وشددت الإعلامية بوروينة على أن “فترة العشرية السوداء (1990 – 2000)، وإعلان حالة الطوارئ، كانت من أتعس المراحل بالنسبة إلى ممثلي الإعلام الأجنبي، وهي فترة تميزت بتقييد التنقل داخل البلاد، وبحساسية مفرطة تجاه المعلومة الأمنية، بعد تقييدها على مستوى خلية معالجة المعلومة الأمنية بوزارة الداخلية، ما نتج عنه التأسيس لمقاربة حوّلت السبق الصحافي إلى جنحة يعاقب عليها القانون، باسم (النشر قبل الأوان)”.

وحول توفيق المراسل الأجنبي بين خط المؤسسة الصحافية وتوجهات السلطة في الجزائر، أكدت على أن الأمر يتوقف على ذكاء المراسل، وتكوينه السياسي الذي يؤهله للخوض في مثل هذه المواضيع باحترافية لا تضر الطرفين، في المقابل يقر جزء كبير من المراسلين بأنهم يجدون أنفسهم مضطرين لممارسة الرقابة على كتاباتهم.

18