الصحافة الأميركية المطبوعة تسير إلى نهاية الطريق

الخميس 2015/03/26
الانخفاض الكبير في الإعلانات من أهم الأسس التي أدت لتدهور صناعة الصحافة

لندن- التحول المفاجئ من الورقية إلى الرقمية، كلف الصحافة المطبوعة في الولايات المتحدة تغييرات جوهرية على صعيد المحتوى والقصص الإخبارية، وأهمها خسارة عدد كبير من العاملين في هذا المجال لوظائفهم.

تشهد صناعة الصحف في الولايات المتحدة الأميركية تدهورا ملحوظا في ظلّ تسارع التحول إلى عصر الأخبار الرقمية. واختفت عشر صحف تاريخية تماما في الولايات المتحدة منذ 2007، بالإضافة إلى عدد كبير من الإصدارات التي لم يتبق منها سوى شبح ما كانت عليه، حيث تحولت إلى صحيفة شهرية بدلا من صحيفة أسبوعية أو مجانية.

وتتصدر الصحافة المطبوعة قائمة المجالات والمهن الرئيسية بالولايات المتحدة الأميركية، من حيث عدد العمال الذين فقدوا وظائفهم، وتمتد هذه الأخبار السيئة حتى إلى بريطانيا حيث تمّ إلغاء ثلث الوظائف التحريرية في الصحف منذ 2001.

وحسب صحيفة الغارديان البريطانية، لم تعد أسباب هذا الانخفاض مجهولة، فهي تتمثل أساسا في التحول المفاجئ من الطباعة إلى الرقمية، بالإضافة إلى الزيادة السريعة في مصادر المعلومات، والتغيرات في نمط الحياة وعادات القراءة، وقبل كل شيء، كارثة انهيار الأسس التي تقوم عليها صناعة الصحافة، وهي الإعلانات، مع ظهور مواقع على غرار كريغسليست وغومتري.

ويحلل ستيفان ساليسبري، الكاتب الحائز على جائزة الثقافة في فيلادلفيا انكوايرار منذ 36 عاما، هذا الوضع بقوله “تصنع الصحف لحمة اجتماعية بين أفراد المجتمع، وتعززها بنسج هذا الرابط بخيوط من المعلومات، وتذكير الناس بمكانتهم الحقيقية وكل ما يحتاجون إلى معرفته.

الصحافة المطبوعة تتصدر قائمة المهن الرئيسية بالولايات المتحدة من حيث عدد العمال الذين فقدوا وظائفهم

ماذا يحدث إذن للمجتمع عندما لا يفقد أهميته وتصبح المعلومات ببساطة فرصة إضافية لتحقيق تسويق مرتخ وإثبات الوجود في الفضاء الافتراضي؟ من يراقب العمدة عندها؟ ومجلس المدينة؟ ومختلف الوكالات التنفيذية؟ والمحاكم؟ … لعل انهيار هذا النسيج المدني هو بالفعل أخطر نتيجة لتدهور صناعة الصحف. ويبقى الناس العاديون الذين يكافحون في المدينة أبرز الخاسرين، من حيث انعدام إدراكهم للأحداث، حتى في ظل ‘القصف’ المتزايد لهذه المعلومات يوميا بمعدلات مذهلة”.

ويمثل سالسيبيري أحد المساهمين في مشروع المصور الصحفي ويل ستيسي، فعلى مدى خمس سنوات، منذ 2009، قام ستيسي بتوثيق مكافحة وتراجع صحيفة ساليسبيري، الديلي انكوايرار، ثالث أقدم الناجين في أميركا، خلال تضررها من انخفاض المبيعات والإفلاس وخمسة تغييرات للملكية، والجولات المتكررة والمتواصلة لتخفيض عدد الموظفين.

شهد ستيسي أثر هذه الأحداث مباشرة وشخصيا، فوالده توم، شغل منصب رئيس تحرير صحيفة ديلي انكوايرار، في مكتب الأخبار، ثم مكتب الأخبار العالمية، لمدة 29 عاما حتى تمّ إعفاؤه، بينما يتعافى من جراحة في القلب في 2011.

لذلك تقف صور ستيسي شاهدا ليس فقط على سرعة زوال أسطورية ثقافة غرفة الأخبار ككلّ، ولكن أيضا على نهاية قرن ونصف القرن في تاريخ العائلة، فجد جده كان مؤسس بنسلفانيا يورك ديسباتش ورئيس تحريرها في 1876، وجده رئيس تحرير صحيفة كول كرونيكل بألنتاون خلال الستينات من القرن العشرين. أما ويل ستيسي فهو آخر وريث يحمل، الحبر في دمه.

سيتم نشر الصور التي التقطها والمقالات الصحفية التي ترافقها في إطار كتاب، الشهر المقبل، ولكن أولا في إطار صحيفة تكريمية تحمل الاسم المميز لصحيفة انكوايرار.

نادرا ما يخجل الصحفيون، من “الإشادة” بأعمالهم أو التعبير عن استيائهم من تطور الأمور أو ظلم الحياة، ولكن في هذه المناسبة يبدو أن لهذه العواطف ما يبررها فيما يبدو. التقطت صور ستيسي آخر تجليات طريقة العيش الفوضوية، المبدعة وسريعة النسق التي تخدم سكان فيلادلفيا بامتياز.

وقد فازت الانكوايرار بـ20 جائزة بوليتزر صحفية في الفترة التي تمتد منذ 1972 عندما استقال المحرر الإخباري الأسطوري جين روبرتس، من منصبه كرئيس تحرير نيويورك تايمز حتى شغله منصب رئيس تحرير صحيفة انكوايرار.

نادرا ما يخجل الصحفيون، من “الإشادة” بأعمالهم أو التعبير عن استيائهم من تطور الأمور أو ظلم الحياة

عندما غادر روبرتس الانكوايرار في 1990، كانت الصحيفة تشمل 700 موظف، وتتمتع بسمعة مرموقة اكتسبتها من محاسبتها المستمرة للحكومة المحلية، بالإضافة إلى كشفها لقصص خارجية رئيسية وهامة.

فقد كشفت صحيفة ديلي انكوايرار، على سبيل المثال، عن الحقيقة الكاملة وراء “الحصار” الذي فرضته منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في 1973، والذي سبب الذعر في فيلادلفيا ومناطق أخرى، من خلال إرسال صحفييها لدراسة قوائم الشحن من شركة لويدز بلندن واستجواب عمال الميناء في روتردام وجنوا.

يُقدم ستيسي مشروعه من خلال اقتباس من خطاب الرئيس الأميركي السابق، توماس جيفرسون “لو كان القرار يعود إلي، بشأن ما إذا كان يجب أن تكون لدينا حكومة دون صحف أو صحف دون حكومة، لن أتردد للحظة واحدة في تفضيل الخيار الثاني”.

ويعتقد ستيسي أن أجزاء أخرى من المجتمع قد استعملت قصة صحف المترو كطريقة للتنبؤ بالمخاطر المستقبلية، إذ يقول “يمكن أن تسمح لنا التكنولوجيا بتحقيق خطوات هامة مع زيادة الكفاءة والإنتاجية، وتخفيض تكاليف اليد العاملة. نحن في أوج هذا التحول الكبير، وصناعة الصحف نفسها تقع في صدارة هذه العملية”.

ويقول ستيسي “كل ما في الأمر أنه، في فيلادلفيا، كل الأنسجة الاجتماعية، على اختلافها كانت تقرأ الصحيفة. فقد كانت المصدر الذي يستقي منه الفقراء معلومات عن الأغنياء والمصدر الذي يقرأ فيه الأثرياء عن الفقراء. كانت الصحيفة تُمثّل الجميع في المدينة وتقدم لهم معلومات وتمنحهم صوتا يمكن لهم أن يثقوا فيه. كانت هناك فترة يقوم خلالها العشرات من الأشخاص بقراءة كل قصة قبل الطباعة. هذا النوع من التكامل المؤسسي في خطر”. أتساءل ما هي أنواع القصص الناجحة التي يقوم الدايلي انكوايرار بنشرها هذه الأيام؟ يقترح ستيسي إجابة لذلك “القصص التي تحصل على معظم الزيارات على موقع philly.com هي القصص المتعلقة بالطقس، قصص المشاهير، وقصص الجنس. أعتقد أن أفضلها سيكون قصة تدور حول الحياة الجنسية لأحد المشاهير”.

18