الصحافة الاستقصائية تضع خبايا المجتمع أمام دائرة الضوء

الجمعة 2014/05/23
وظيفة الصحافة التعامل مع الحقائق غير الكاملة وكشف الغموض عنها

بروجيا(إيطاليا) – أمام زحمة تدفق المعلومات تظهر أهمية الصحافة الاستقصائية التي تعيد للصحفي دوره الأساسي في السعي وراء المعلومة ومعالجتها، ومنحها بصمته الخاصة وجعلها إنتاجا متميزا، بعد أن أضعفها العمل المكتبي، لكنه لم يستطع أن يلغي أهميتها، بل أثبت قيمتها ووظيفتها في إنارة الطريق أمام الجمهور.

عمل مجموعة من الصحفيين في إيطاليا وألمانيا في مشروع للصحافة الاستقصائية بعنوان “المافيا في ألمانيا”، كشف خبايا هذا العالم، وأبرز تميز هذا النوع الصحفي في إماطة اللثام عن خفايا المجتمع، والزوايا الغامضة التي تحتاج إلى البحث والتقصي والخروج عن دائرة جمع الأخبار من الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو الدور الذي لا يجب أن يغيب عن الصحفي.

وأوضح التقرير الاستقصائي أن ألمانيا تستخف بصورة هائلة بمدى تسلل منظمات المافيا الإيطالية إلى اقتصادها الذي يعد الأكبر على مستوى أوروبا والرابع على مستوى العالم.

وأظهر الدور الذي لعبته الصحافة الاستقصائية في فتح النافذة أمام الحكومة والجمهور، وتسليط الضوء على هذه الظاهرة وإجبار المسؤولين على عدم التغاضي عنها، فقد أوضح ديفيد شارفان، وهو صحفي من مجموعة فونكه ميدينجروبه ثالث أكبر ناشر للصحف والمجلات في ألمانيا، أن “ألمانيا لم تدرك أنها تواجه مشكلة”.

وجاءت تصريحات شارفان بعد عرض للتقرير في المهرجان الدولي للصحافة بمدينة بروجيا الإيطالية في وقت سابق من العام الحالي، وانتقد ما اعتبره قوانين غير صارمة بألمانيا في ما يتعلق بغسل الأموال وتملك الأصول، وكذلك في ما يتعلق بفرض قيود على التنصت على المكالمات الهاتفية، والافتقار إلى قوانين، على غرار تلك الموجودة في إيطاليا التي تجرم مجرد الانتماء إلى منظمة أشبه بالمافيا.

وعمل شارفان بالاشتراك مع زملائه في المشروع ونتج عنه نشر مقالات في أبريل الماضي تسلط الضوء على ما يعرف باسم “باومافيا” أو “مافيا البناء”.

ويشير هذا الاصطلاح إلى العصابات الإيطالية التي تسيطر على قطاع البناء والتشييد في ألمانيا، وتعيد استثمار الأموال القذرة القادمة من صقلية تحت إشراف ماتيو ميسينا “رئيس رؤساء” عصابة المافيا الصقلية التي تعرف باسم “كوسا نوسترا”، والذي يعد أكثر الرجال المطلوبين من جانب الشرطة في إيطاليا.

وتحدث الصحفيون بشكل سري مع أحد قتلة المافيا في ألمانيا، والذي قال “إن المافيا لم تعد تقتل اليوم، حيث أننا أصبحنا نتبع ما يعرف باسم “سلام المافيا” والذي يعني الابتعاد عن إراقة الدماء، والتحول إلى نموذج نشاط الأعمال الذي أقره ماتيو ميسينا”.

وبدأ المشروع الصحفي “المافيا في ألمانيا” بعد أن حصل شارفان على ملفات سرية للشرطة ساعدت على تطوير قاعدة بيانات غير مسبوقة عن 1200 يشتبه في عضويتهم في المافيا ويقيمون في ألمانيا، وتقضي خطة المشروع بإعلان البيانات خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.

الصحافة الاستقصائية كشفت الزوايا الغامضة للجمهور وأجبرت المسؤولين على عدم التغاضي عنها

وأكد شارفان “أن هذا المشروع سيكون فريدا من نوعه وهو يضم أول قاعدة بيانات ذات مصادر مفتوحة حول الجريمة المنظمة في أوروبا”، حيث تتيح للصحفيين الاستقصائيين من مختلف أنحاء القارة الأوروبية فرصة الغوص في هذه القضية.

وأوضح قائلا “إن هذا المشروع يركز حاليا على ألمانيا، ولكننا نريد في المستقبل أن نوسع من مجاله، وأن نجمع معلومات من دول أخرى، وبالطبع نسعى إلى أن نعمل مع زملاء من جميع أنحاء أوروبا”.

وكانت أول مرة يتلقى فيها المجتمع الألماني تحذيرا من وجود المافيا في بلده، عام 2007، عندما تم في مدينة دويسبرج غربي ألمانيا قتل ستة رجال من عصابة ندرانجيتا الإجرامية التي يرجع أصلها إلى إقليم كالابرياالإيطالي. غير أن آنا ماريا نيفير وهي صحفية تعمل بمحطة الإذاعة الألمانية WDR وشاركت في مشروع “المافيا في ألمانيا” ترى أن وعي المواطنين الألمان بمخاطر المافيا لا يزال سطحيا، وشددت على أن هذا “يضعف يد الجهات القضائية التي تشارك في التحقيقات الحساسة والموسعة”.

وأضافت “يجب أن يغير الناس طريقة تفكيرهم في ما يتعلق بالمافيا، فقد يعتقدون أنها موجودة في الصور التي تنشر في وسائل الإعلام أو في الأوبرا أو أنها مجرد شيء يتسلل من حين إلى آخر من إيطاليا،ولكنهم لا يفكرون في أنها قضية حقيقية في ألمانيا”.

ونقل شارفان ونيفر عن تقرير نشرته مجلة فيرتشافتسوشه الشهر الماضي كشف النقاب عن أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وجهت إنذارا لألمانيا لكي تشدد من قوانينها المكافحة لغسل الأموال بحلول يونيو المقبل.

كما نقل مشروع “المافيا في ألمانيا” عن المدعي العام في مدينة بالريمو الإيطالية روبيرتو سكاربيناتو قوله “إنه عندما لا تحاول أن تنظر من أين يأتي المال، وعندما تقبل تدفقات من رؤوس الأموال غير معلوم مصدرها إلى بلدك، ستصبح الناحية الأخلاقية للشعب بأكمله في خطر”.

وأعرب شارفان عن اعتقاده بأن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها إيطاليا موطن المافيا، إلى جانب الإجراءات الفعالة التي تقوم بها الشرطة بشكل متزايد هناك، قد تكونان قد دفعت المجرمين الإيطاليين إلى نقل نشاطهم إلى أماكن أخرى.

ونقل عن رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية في ألمانيا يورج تسيركه قوله العام الماضي أمام مؤتمر عقد في صقلية إن نصف المجموعات الإجرامية التي تعمل في ألمانيا تنتمي إلى عصابة “ندرانجيتا”، وأضاف أنه لا غنى “لألمانيا عن استنساخ تجربة إيطاليا وإدخال جريمة الانتماء إلى منظمة، على غرار المافيا في قانونها الجنائي”، وأكد أنه “لا يمكن مكافحة المافيا في إيطاليا وحدها، فهي تمثل مشكلة لألمانيا أيضا”.أما المدعي العام لبالريمو سكاربيناتو فكان أكثر صراحة حيث قال “على ألمانيا أن تقرر إذا ما كانت تريد أن تحتضن المافيا أو تقاتلها”.

18