الصحافة الاقتصادية العراقية.. تغطية سطحية بلا معلومات

لا يزال تأثير الإعلام الاقتصادي في العراق ضعيفا، إذ يعاني من غياب الكادر الإعلامي المؤهل، وحجب الجهات الحكومية للمعلومات والبيانات، إضافة إلى هيمنة الأحزاب السياسية عليه.
الاثنين 2016/12/19
الصحافة الاقتصادية شبه غائبة

بغداد - يفتقر الإعلام العراقي في تناوله للشأن الاقتصادي إلى التحليل ودقة المعلومات وشفافيتها، لعدم اكتراث الجهات الحكومية به وبالصحافة المتخصصة عموما، ونظرا إلى كون وسائل الإعلام أسيرة لمواقف الجهات السياسية الممولة.

ويسجل خبراء في الإعلام والاقتصاد ملاحظات مهنية على العاملين في الإعلام الاقتصادي، وأوضحوا أن عدم الكفاءة وضعف الخبرات وتسلط الحكومة جعلت العديد من الصحافيين “أبواقا للسلطة”، ما أدى إلى إخفاء معلومات مهمة عن الرأي العام، وأكدوا على ضرورة انفتاح الدوائر المعنية على الإعلام، وحرص الجهات الإعلامية على الارتقاء بمستواها وتأهيلها بالجانب الاقتصادي، حسب تقرير لبيت الإعلام العراقي جاء تحت عنوان “الصحافة الاقتصادية.. تغطية سطحية بلا معلومات”.

ويرى نائب رئيس مركز الإعلام الاقتصادي ملاذ الأمين، أن تأثير الإعلام الاقتصادي لا يزال ضعيفا، حيث أصبح أسيرا للنظرة الأيديولوجية للحزب أو الجهة السياسية الداعمة، فهو يمجد الأخطاء في بعض الأحيان، ويعيب على الخطوات التصحيحية في المجال الاقتصادي وفق أيديولوجية الجهة الداعمة له.

وأضاف أنه برغم وجود إعلام اقتصادي مستقل يتبع جمعيات أو منظمات مجتمع مدني مستقلة أو مراكز بحثية، تؤشر حالات الانحراف في السياسة الاقتصادية، وتطري بالمديح على المبادرات الناجحة في الجانب التنموي للقطاعات الإنتاجية، إلا أن تلك الدراسات أو التحليلات الاقتصادية لم تجد من يأخذ بها من الجهات الحكومية أو البرلمانية ذات العلاقة، ما يعني أن تأثير الإعـلام الاقتصـادي علـى الواقع لا يزال ضعيفا بسبب افتقار التحليلات الاقتصادية إلى الأدلة المقنعة أو البراهين العلمية والأكاديمية.

وظهرت شريحة من الإعلاميين المتخصصين بالشأن الاقتصادي وبعد عام 2011، تلقى أفرادها دورات مكثفة في التحليل والدراسة الاقتصادية أقامتها مؤسسات عالمية، مثل فرانس بريس، بي بي سي ورويترز، لإعدادهم كمراسلين اقتصاديين في العراق، ما أدى إلى بعض التقدم في الإعلام الاقتصادي، إذ خصصت أغلب وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة مساحات لتسليط الضوء على الواقع والسياسة الاقتصادية والقرارات الحكومية وتأثير اقتصاديات البلدان المجاورة على العراق.

ويعرب الأمين عن اعتقاده بأن هذه الشريحة من الإعلاميين الاقتصاديين سيكون لها دور كبير في تدريب صحافيين جدد في هذا الحقل لرفد المنظومة الإعلامية بحقل مهم يمس حياة البلاد والمواطن.

النهوض بواقع الإعلام الاقتصادي يتطلب رعاية المؤسسة الإعلامية وعدم حجب المعلومات من الجهات الحكومية

وأشار الأمين إلى أن النهوض بواقع الإعلام الاقتصادي يتطلب توافر جانبين، أولهما المؤسسة الإعلامية الراعية، وثانيهما الجهات الحكومية وعندما تكون المؤسسة الإعلامية مدركة لأهمية الاقتصاد، ينبغي عليها تطوير كفاءات الصحافيين في هذا الجانب من خلال زجهم في دورات لزيادة مهاراتهم ومعلوماتهم.

وفي الاتجاه الثاني، على الجهات الحكومية ألا تحجب المعلومات والبيانات عن الإعلام، وأن تتجاوب مع التحليلات الاقتصادية التي تتناولها الجهات الإعلامية المختلفة، ما يؤدي إلى تطور المنظومة الديمقراطية والرقابية الهادفة إلى رقي المجتمع وعبور حواجز الفساد والتقيد بموجبات التقدم والتطور الناجح.

وبدوره، يرى أنمار وحيد المدرس في كلية الإعلام جامعة بغداد، أن الإعلام العراقي لا يزال بعيدا عن الجانب الاقتصادي، بل ويكاد يتجاهله إلا حين يكون متناغما مع الجانب السياسي، ويؤكد أنه دون وسائل إعلام متخصصة لا سبيل إلى التطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي. ويضيف وحيد أنه لا توجد صحف تتعامل مع الجانب الاقتصادي باستثناء تجربة متواضعة لجريدة (الوسيط)، وإن كان اعتمادها إعلانيا مدفوع الثمن بعيدا عن الجانب التحليلي للواقع الاقتصادي، وأيضا الفضائيات العراقية تكاد تتجاهل الجانب الاقتصادي إلا حين يكون الأمر متناغما مع الجانب السياسي، في حين أن الاستقلال السياسي لا يمكن أن يتم ما لم يكن هنالك استقلال اقتصادي، لأن الإعلام يمثل العمل الأساس في عملية التنمية، وإن كان من الصعب معرفة المدى الذي يبلغه ذلك، إلا أنه من المسلم به اليوم أنه دون وسائل إعلام متخصصة لا سبيل إلى التطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، والبعض الآخر يحذر من الكتابة للصحافة، بل يحيط نفسه بحالة من الحذر.

ويرى وحيد أن الدولة لا تستطيع على المدى القريب، أن تحقق طفرة في الإعلام الاقتصادي، أي إطلاق فضائيات متخصصة، لأن عليها أن تعمل على معالجة عوامل الإنتاج كي تكون الأرض صالحة لبذر البذور، وبالتالي الانطلاق بهذا الجانب من خلال العمل الإعلامي المتخصص وإيجاد المزاوجة بين التخصص الأكاديمي والمهني للارتقاء بالعملية الإعلامية المتخصصة.

وبدوره، يعتبر الإعلامي والمدرس في كلية الإعلام جامعة بغداد، حسن كامل، أن ضعف الإعلام الاقتصادي وسطحيته ناجمان عن عدم اهتمام المؤسسات الإعلامية بهذا الجانب أو السعي لإعداد وتأهيل ملاك متخصص يتعامل معه بوعي.

ويقول كامل إن معظم الصحافيين الاقتصاديين يفتقرون للتأهيل الكافي، جاؤوا إلى هذه المهنة بالصدفة، من دون إعداد أو تأهيل كافيين، وبالتالي فإنهم يفتقرون للأدوات التي تؤهلهم لممارسة العمل الصحافي بعامة والاقتصادي منه بخاصة الذي يتطلب فهماً ودراية لمختلف المصطلحات والأمور الاقتصادية، ما أدى إلى اعتمادهم على البيانات الرسمية والمتابعات الخبرية والترجمة دون تحليل أو عمق.

ويعزى هذا الضعف إلى أمرين؛ الأول عدم وجود اختصاص دراسي إعلامي أساساً، والثاني درس الإعلام لكنه يفتقر للدراية بالجوانب الاقتصادية، لأن اهتمام الصحافي الاقتصادي ينبغي أن يكون منصبا على مختلف الشؤون الاقتصادية وهو ما لا يحدث في العراق، لأن الأمور محكومة بالصدفة.

ولا بد من الإشارة إلى أن المؤسسات الإعلامية تتحمل هي الأخرى مسؤولية التقصير في الجانب الاقتصادي، إذ ينبغي أن تحرص على تدريب وتأهيل ملاك متخصص بالشؤون الاقتصادية ليكون مؤهلا للتعاطي معها وتغطيتها بوعي.

18