الصحافة البريطانية تتساءل: من يعرف في أي صف تقف قطر

الخميس 2014/10/30
ضغوط على رئيس الوزراء البريطاني لمناقشة ملف دعم الإرهاب مع أمير قطر

لندن – استغلّت وسائل الإعلام البريطانية، تواجد أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد في لندن، في أول زيارة رسمية له إلى المملكة المتحدة، ليعلو صوتها مناديا بضرورة فتح ملف بخصوص ما تردّد عن تورّط قطر في تمويل الجماعات الإسلامية في سوريا والعراق. ودعت شخصيات إعلامية وسياسية رئيس الوزراء ديفيد كاميرون إلى عدم تغليب مصالح بريطانيا الاقتصادية مع قطر على محاربة الإرهاب.

ارتفعت حدة الأصوات البريطانية مطالبة رئيس الحكومة، ديفيد كاميرون، بالضغط على قطر لتوضيح علاقتها بـ “تمويل الإرهاب”، وذلك بالتزامن مع زيارة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى بريطانيا، في الفترة من 28 إلى 30 أكتوبر الجاري.

وتحظى هذه الزيارة، منذ الإعلان عنها، باهتمام الأوساط الإعلامية والسياسية البريطانية، التي تطالب بالتحقيق في ما يتردّد حول أن “قطر تستخدم ثروتها الهائلة من النفط والغاز في دعم الإسلاميين في الشرق الأوسط، بما يهدّد أمن المنطقة والعالم، بعد أن أصبحت ظاهرة الجهاد، ظاهرة عابرة للبلدان والقارات”.

ودعت صحيفة الـ“تليغراف”، وصحف بريطانية أخرى، إلى الضغط على رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، لوضع هذه القضية على قمة أجندة المحادثات مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي تعدّ زيارته إلى لندن، الأولى منذ توليه مقاليد الحكم في يونيو 2013.

واعتبرت الصحف البريطانية أنه لا يمكن أن يقبل البريطانيون أن يكون ضمن أصدقائهم المقربين “أطراف تموّل الجهاديين المتعطشين للدمّ”، ويتعين على كاميرون أن يطلب من الأمير القطري اتخاذ إجراء حاسم لضمان سد أي قنوات لجمع وتوفير الدعم المادي لمسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.

قراء "الغارديان": المال قادر على تغيير الكثير
شنّ قراء صحيفة “الغارديان” البريطانية هجوما لاذعا على مقال الشيخ “عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني”، رئيس وزراء قطر الذي نشرته، تحت عنوان “قطر والمملكة المتحدة تقفان جنبا إلى جنب”. واعتبرت أغلب التصريحات، التي نورد بعضها، أن المقال مدفوع الثمن.

IstherelifeonMars


”تقهقرت “الغارديان” نحو قاع جديد... فعلا المال قادر على تغيير الكثير.

Ernekid


هذا المقال مثير للسخرية. يقوم القطريون بعمل عظيم على مستوى توفير الأسلحة والأموال لداعش، بهدف تعزيز نسختهم الخاصة من المذهب المتشدد.

happytolive


كما يقول روبرت فيسك في مقال آخر: “جميعهم يدعي محاربة الإرهاب. وطبعا، جميعهم ينشر نفس العبارات التي استخدمها جورج بوش -وشركاؤه في الجريمة- قبل المبادرة بتحطيم الشرق الأوسط، قبل 11 عاما”. على قطر وحلفائها في الغرب أن يفسروا أسباب خلقهم للحرب الأهلية في سوريا ودعمهم نفس التطرف الذي يزعمون اليوم مكافحته؟

igorbuc4guardian


هل يمكن للشيخ (كاتب المقال) أن يوضح لنا رؤيته الخاصة عن الإسلام في مدارس القانون؟ ما هو المسموح أو غير المسموح به في الحرب وفقا له؟ هل يسمح بقتل الشيعة خارج جبهات القتال؟ وما إلى ذلك.

Ststst


كيف تحصلت قطر على حق تنظيم كأس العالم؟ كيف يمكن لبريطانيا أن تكون لها أي علاقة مع هذه الدولة؟ تقف العائلات الحاكمة القطرية نفس الموقف المعادي للديمقراطية الذي يتخذه دعاة داعش. إذا كانت بريطانيا تقف مع قطر، فالمملكة المتحدة تقف مع جبهة النصرة.

Innowaybored


هل اختل توازن الغارديان تماما؟ هل تلقت الغارديان مبلغا ماليا لنشر هذه المادة؟ هل يعني ذلك أنها قد تنشر مقالا لأحد قادة داعش؟

وتوقع مراسل الـ”تليغراف” السياسي، ماثيو هوليهاوس، أن يطالب رئيس الحكومة البريطانية أمير قطر في جلسة المباحثات التي تجمعهما، خلال زيارة الدولة التي يقوم بها إلى لندن، بقطع تدفق تمويل الإرهابيين.

وسلطت الضوء على الدور الذي لعبته قطر، ودول خليجية أخرى، يفترض أن تكون ضمن الحلفاء في الحرب ضد داعش، في السماح بتمويل مجموعات إرهابية. وأشارت إلى تحذير إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، الأسبوع الماضي، من أن قطر والكويت أماكن خصبة لتمويل الإرهاب.

ووصف ديفيد كوهين، المسؤول الأميركي عن ملف الإرهاب، البلدين بأنهما متساهلان أكثر مما ينبغي بالسماح في تمويل المنظمات الإرهابية.

وقد عبرت الولايات المتحدة عن قلقها بشأن تمويل قطر لأفراد أو جمعيات خيرية في الدول العربية، وذات القلق عبّر عنه وزير بالحكومة الألمانية، متهما قطر بتمويل مقاتلي الدولة الإسلامية.


قطر تنفي الاتهامات


في ردّه على الانتقادات البريطانية، كتب رئيس الوزراء القطري، الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني مقالا في صحيفة “الغارديان” البريطانية تحت عنوان “قطر والمملكة المتحدة تقفان جنبا إلى جنب في مواجهة الإرهاب”.

واعتبر رئيس وزراء قطر أن مشاركة بلاده في التحالف العسكري الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة وتشارك فيه بريطانيا، ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق، دليل على الجهود القطرية في محاربة الإرهاب.

وبدا الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني وكأنّه يدافع عن قطر وفي ذات الوقت يتغنّى بعلاقتها الوطيدة ببريطانيا، عبر الحديث تارة عن العلاقات التاريخية بين الدوحة ولندن وتارة أخرى من خلال التذكير بالاستثمارات القطرية الضخمة في بريطانيا.

وقال إن الأمير تميم والوفد القطري الذي يزور لندن سيبرهنون على التزام قطر ليس فقط بتعميق العلاقات الاقتصادية القطرية البريطانية، ولكن أيضا على التزامها بالقيم الجوهرية والتاريخ العميق والأهداف المشتركة بين الدوحة ولندن.

وأضاف الشيخ عبدالله بن ناصر: “يجمع بين قطر وبريطانيا عدو مشترك وهو الإرهاب الدولي، وليس فقط الإرهاب في سوريا والعراق ومنطقة الشرق الأوسط، فالإرهاب تهديد لمنطقتنا والعالم بأسره، لذلك لدى قطر وبريطانيا رؤية مشتركة تجاه رفض المنظمات الإرهابية”.

واتهم رئيس وزراء قطر جهات، لم يسميها، بأنها تسعى إلى الوقيعة بين البلدين، وقال إن اتهام الدوحة بغضّها الطرف عن الإرهاب ادعاء باطل يرفضه القطريون تماما.

الملكة إليزابيث استقبلت أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وشقيقه الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني


في أي جانب تقف قطر


مقال الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني بدا وكأنه يغرّد خارج سرب بقية الصحف البريطانية، التي ضمّت أقلامها إلى أصوات شخصيات قيادية بريطانية لتمارس ظغوطا على كاميرون وتدعوه لكي يفتح ملف الإرهاب خلال لقائه مع أمير قطر.

في هذا السياق، قال النائب ستيفن باركلي (من حزب المحافظين) إنه من “الضروري أن يثير ديفيد كاميرون مع الشيخ تميم موضوع تمويل الإرهاب”.

في تقريرها، في هذا السياق، تساءلت صحيفة “ديلي تليغراف”: في أي جانب تقف قطر في المعركة ضد الإرهاب؟”؛ فالدوحة، تبدو وكأنها تمسك العصا من الوسط و”تلعب على الحبلين”، وموقفها من تنظيم الدولة الإسلامية ملتبس، فمن المفروض أنها مع الحلف الدولي الذي يشن غارات عليه، حيث تنطلق معظم الغارات الأميركية من قاعدة العديد القطرية؛ فيما تؤكّد التقارير الاستخباراتية أن قطر تدعم التنظيم ماليا، وهذا ما يثير علامات استفهام.

وفي رأي كون كوخلن، الصحفي بـ”ديلي تليغراف”، يبدو أن قطر، بعد دعمها للناتو في ليبيا وأفغانسان، تواجه خطر ضياع كل ذاك الدعم بسبب علاقاتها ودعمها للحركات الإرهابية في العراق وسوريا.

وأشار كوخلن إلى أن من علامات تخلي قطر عن الصف الدولي وأن لها أجندة خاصة بها ما حدث بعد الإطاحة بحكم الزعيم الليبي معمّر القذافي، حيث ثبت بالقرائن أن الدوحة تخلّت عن دعم حكومة مدنية وخيار الشعب الليبي ووقفت بالتمويل والدعم الإعلامي وراء الحركات المتطرفة الإسلامية. وقال كوخلن إن الضربة الكبرى في علاقة الغرب بقطر إضافة الخزانة الأميركية لشخصيات قطرية ضمن داعمي الإرهاب.

ورمى الكاتب البريطاني بالكرة في مرمى الشيخ تميم قائلا هذه المرة على “تميم أن يثبت أن بلاده مع بريطانيا ضد الإرهاب بالأفعال”.

وفي تعليقه على اللقاء، قال رئيس اللجنة البرلمانية للاستخبارات والأمن السير مالكولم ريفكيند، إن "اللقاء بين أمير قطر وكاميرون سيكون فرصة رائعة لكي نعلم القطريين أنه لا يمكن لهم "الجري مع الأرانب والصيد مع الكلاب في نفس الوقت".

السير مالكولم ريفكيند: اللقاء سيكون فرصة لكي نعلم القطريين أنه لا يمكن الجري مع الأرانب والصيد مع الكلاب في نفس الوقت


تغليب المصلحة الأمنية على الاقتصادية


لم ينفع التظاهر بالبراءة القطريين، حيث انبرى نواب برلمانيون بريطانيون مطالبين رئيس الوزراء البريطاني بأن يضع أمير قطر أمام مسؤولياته، ويطلب منه وقف دعم الحركات المتشددة. وتطالب جهات الضغط بريطانيا بعدم تغليب مصالحها الاقتصادية مع قطر على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وأشار كون كوخلن أن لدى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أسبابا كثيرة ليتوقع أجواء ودية على مأدبة الغداء مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون؛ فكاميرون يأمل في المزيد من استثمارات قطر الواسعة في بريطانيا، التي من بينها أعلى بناية في أوروبا (The Shard)، وسلسلة محلات هارودز التي اشتراها صندوق الاستثمار القطري.

ولم يفت الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني أن يذكّر، في مقاله بصحيفة “الغارديان”، البريطانيين بقيمة الاستثمارات القطرية، قائلا إن تعزيز العلاقات الاقتصادية يتصدّر اللقاء بين أمير قطر ورئيس الوزراء البريطاني، موضحا أن الاستثمارات القطرية في لندن تصل إلى 32 مليار دولار وزادت بشكل كبير منذ عام 2005 حيث أصبحت أربعة أضعاف ما كانت عليه.

وردّ خبراء على إغراءات الدوحة المادية، بأن الاستثمارات القطرية القائمة، أو الوعود باستثمارات جديدة، لا يمكن أن تجعل بريطانيا، باعتبارها من “القوى الكبرى” في العالم، تتخلى عن قيمها وتقاليدها إذا تعلق الأمر بالأمن والاستقرار العالميين.

ورغم المصالح التي تجمع لندن بالدوحة، لفت الخبراء إلى أن المصلحة البريطانية المباشرة لا يمكن أن تبرر السكوت على التجاوزات، وبالتأكيد لن تمنع رئيس الوزراء من مصارحة ضيفه القطري بملاحظات لندن حول سياسة الدوحة والشكوك المثارة حولــها.

32 مليار دولار حجم الاستثمارات القطرية في بريطانيا

وأطلقت بريطانيا مبادرة دبلوماسية تستهدف وقف تمويل المقاتلين المتطرفين في العراق وسوريا نالت تأييدا بالإجماع في مجلس الأمن الدولي.

ويهدد القرار بفرض عقوبات على أي بلد يتضح أنه يتعامل مباشرة أو بصفة غير مباشرة مع الدولة الإسلامية.


رياح التغيير تهدد قطر


تتفق غالبية الصحف البريطانية على أن قطر قد “قضمت أكثر مما تستطيع هضمه” في مواقفها السياسية المتناقضة، كاشفة عن الحيرة التي تكتنف الحلقة الضيقة التي تحيط بأمير قطر، في معرفة طريقة تفكيره في اتخاذ القرارات الإستراتيجية.

وقال الباحث مايكل ستيفنز، من مؤسسة “اوبون ديمكرسي”، “إذا كنت في الدوحة فعليك ممارسة لعبة التخمين لتفسير مواقف الأمير السياسية”.

وأشار إلى أن ثمة تحديات استراتيجية وعملية كثيرة تواجه قطر الصغيرة “التي لا يزيد عدد مجموع موظفي إداراتها الحكومية ووزاراتها عن مجموع موظفي وزارة الداخلية السعودية”، وأن من الوارد جدا أن ترتد رياح التغيير التي تضرب العالم العربي لتصيب قطر.

7