الصحافة البريطانية دخلت المعركة مع بوتين قبل أن تبدأ

دعوني أعرض شيئا بشأن بوتين، مما كتب في الصحافة البريطانية في أشد حروبها خلال السنوات الأخيرة، علكم تتفقون معي على الدرس الإعلامي الذي منحتنا إياه هذه الحرب الإعلامية التي بدت أكثر تسمما من العميل الروسي.
السبت 2018/03/24
متابعة دقيقة للصحافة البريطانية

لا ينبغي للصحافة أن تنتظر، عليها أن تدخل المعركة قبل أن تبدأ، بصرف النظر عما إذا كانت ثمة معركة حقيقة أم مجرد صناعة فوضى حسب تعبير الصحافية البارعة سوزان مور.

لقد اندلعت حرب وسائل الإعلام في اللحظة نفسها التي تم دس السم فيها وانتشار غاز الأعصاب في الشوارع البريطانية.

معركة وسائل الإعلام البريطانية ليست من أجل العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبيري. إنها من أجل دوامة التضليل التي تكتنف السياسة العالمية والتي تصيب بالضرورة وسائل الإعلام ولا تكون مجرد عدوى.

مازالت حرب وسائل الإعلام البريطانية مع روسيا متقدة ومتصاعدة، ولا أحد يترقب أن تتراجع، الواقع أن الصحافة لا تريد هذه المعركة إلا متقدة، كي لا تضع يدها على خدها! وهي برغم ذلك تمنحنا درسا إعلاميا مفيدا للغاية “دعونا نتأمل هنا الحرب الإعلامية المستمرة منذ أشهر بشأن أزمة قطر، لنرى الانحدار المريع في لغة الخطاب الإعلامي، هناك عبث إعلامي يتواصل مع الأزمة القطرية”.

بينما في أسوأ انحدارها لم تستعن الحرب التي تشنها الصحافة البريطانية على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بغير لغة التهكم أو السخرية. ولا يمكن اعتبار كل ما صدر عن بوريس جونسون ضمن هذه الحرب الإعلامية المتصاعدة، إنه كلام سياسي لا أكثر، وجونسون يضع خطوته الأولى في رواق السياسيين الكبار وهم جميعا بالضرورة كذابون كبار، أو بتعبير سوزان مور “لقد تم رفع بوريس جونسون بدلا من محاسبته على أكاذيبه”.

الشيء الذي تعرفه مور ونعرفه أيضا عن جونسون الصحافي الذي أضحى سياسيا، أن المراوغات والاستعارات والذكاء هي وسيلة لإخفاء الكذب.

لقد كتبت سوزان مور هذا الكلام في صحيفة الغارديان عن جونسون قبل أن يطلق جملته التي مازالت متداولة بأن “النفي الروسي المتكرر يزداد عبثية ومحاولة إخفاء الحقيقة في الأكاذيب والتشويش هي إستراتيجية روسية تقليدية”.

دعوني أعرض شيئا بشأن بوتين، مما كتب في الصحافة البريطانية في أشد حروبها خلال السنوات الأخيرة، علكم تتفقون معي على الدرس الإعلامي الذي منحتنا إياه هذه الحرب الإعلامية التي بدت أكثر تسمما من العميل الروسي الراقد في المستشفى الآن، ولنا بعدها أن نتأمل أيا من الدروس الإعلامية التي تم استخلاصها من كل حروبنا العربية المتواصلة غير العبث الذي لا يتوقع له أن ينتهي!

إنه لأمر جيد أن نتمسك بالحقيقة وأن نطرح على أنفسنا قليلا ردود الغرب على روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، وكم كانت كارثية بشكل عام

لقد اكتفى جدعون راتشمان في صحيفة الفايننشيال تايمز باستعارة سؤال عن مدى خطورة بوتين، السؤال الذي كان يقض مضجع ريكس تيلرسون قبل ساعات من إقالته. ولم ينحدر الكاتب إلى أبعد من وصف الرئيس الروسي بأنه أصبح أكثر تهورا مع مرور الوقت.

وأقصى ما طالبت به صحيفة صنداي تلغراف كان عن حاجة الغرب إلى ناتو جديد لإيقاف روسيا. واصفة فكرة الحد من الإنفاق على التسلح بعد انتهاء الحرب الباردة بأنها كانت واحدة من أكبر الأوهام التي سيطرت على بريطانيا في الأعوام الثلاثين الماضية.

بينما افترض أندرو روث مراسل صحيفة الغارديان في موسكو، الفوز في الانتخابات الرئاسية الروسية كان سهلا ولم يكن قط محل شك، والآن بوتين في حاجة لخطة للهرب. واصفا سياسة الكرملين بأنها أصبحت أشبه بـ”رياضة صيد”.

ويقول روث إن الأعوام الستة عشر الماضية عمقت الصراع بين روسيا والغرب، ولكن بوتين أنهى فترته الرئاسية الثالثة وهو أقوى من عام 2012. ولا يوجد من يتم تدريبه لخلافة بوتين ولهذا يظن الجميع أنهم قد يخلفونه.

لكن دعونا نتأمل أكثر المقالات قسوة بحق بوتين التي كتبها جوناثان فريدلاند في صحيفة الغارديان، عندما يقول “يجب أن نبصر بوضوح ما وراء سحب الأكاذيب التي يطلقها بوتين ونتصرف”.

ويرى فريدلاند أن “بوتين كحائز على الحزام الأسود في الألعاب القتالية لا يرى في أساسيات الديمقراطية مثل حرية التعبير وسيادة القانون إلا وسائد هوائية رخوة تصلح للتدرب عليها في تنفيذ الركلات”.

ويطالب البريطانيين جميعا أن يروا بوتين كما هو، فهو ليس معارضا للإمبريالية الأميركية لكنه قومي متطرف يسعى للفرقة تماما مثلما يفعل نايجل فاراج ومارين لوبان ودونالد ترامب الذي يرى الديمقراطية والإجراءات القانونية مجرد مظاهر تعبر عن الضعف.

بالطبع الصحافة البريطانية نشرت مقابل ذلك تعليقات الرئيس الروسي على اتهام بلاده بتسميم العميل وابنته، بكلام هو في كل الاعتبارات أقسى مما كتب ضده من قبل الصحافيين البريطانيين، عندما وصف الاتهامات بمجرد “هراء وتفاهات وكلام فارغ أن يسمح أحد ما في روسيا لنفسه بالقيام بشيء كهذا قبيل الانتخابات وكأس العالم”.

ويبقى ما كتبه سيمون جنكينز، يمثل خلاصة الدرس الذي تمنحنا إياه هذه الحرب الإعلامية القائمة بين روسيا والغرب، فجنكينز يمتلك القدرة الثاقبة على قراءة الأحداث سواء ما يتعلق منها بالشرق الأوسط أو العالم ليقول إنه لأمر جيد أن نتمسك بالحقيقة وأن نطرح على أنفسنا قليلا ردود الغرب على روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، وكم كانت كارثية بشكل عام، معتبرا الحرب مع روسيا هي خطأ الغرب الأكبر.

لقد تجرأ صحافي من درجة سيمون جنكينز في صحيفة الغارديان على وصف ما يحدث بـ”لعبة تيريزا ماي”! عندما تقوم رئيسة الوزراء البريطانية باستغلال كل حادث كتهديد بمستوى خطر داعش وما يمثله هذا التنظيم من إرهاب عالمي، معتبرا ذلك بأنه أقدم خدعة في الكتاب الشعوبي!

18