الصحافة البريطانية والصور النمطية للعرب

الاثنين 2013/10/28

هناك عدة مؤشرات يمكن أن تعطي فكرة عن مواقف وسائط الإعلام الجماهيري البريطاني إزاء ما يجري في المنطقة العربية، ونحو العرب.

المؤشر الأول هو أن هذا الإعلام ليس كما قد يلوح للبعض خاضعا كليا وبصورة مسبقة، لما ندعوه بالتنميط السلبي، وبعبارة أخرى فإن تعددية الرأي هي تعددية حقيقية إزاء ما يحدث في العالم العربي، فثمة آراء متغايرة ومتقاربة ومتطابقة، وذلك تبعا لاختلاف وسيط إعلامي عن وسيط آخر.

المؤشر الثاني: أن ما يحمي هذه التعددية هو حرص صاحب الوسيط الإعلامي على مخاطبة قارئه. فهذا القارئ والمشاهد حريص على شراء الجريدة أو مشاهدة المحطة التلفزيونية المعينة. وصاحب الوسيط الإعلامي يحرص بدوره على التمسك بالمواقف التي يشعر أنها تستجيب لنوازع قارئه ومشاهده وللرصيد الفكري الذي كونه عبر السنوات إزاء قضية معينة. وهذا لا يعني أن الوسيط الإعلامي يكتفي دائما بالاستجابة لما يعتقد أنه رأي القارئ أو المشاهد.

فصناعة الرأي من قبل الوسيط الإعلامي صناعة تظل قائمة على قدم وساق. وهي بلا شك تزداد حذقا ومهارة مع مرور الأيام.

المؤشر الثالث: هو أن التعددية الإعلامية يمكن أن توجد إلى حد من الحدود طبعا، داخل الصحيفة الواحدة. الغارديان على سبيل المثال، على الرغم من أن هذه الصحيفة تمثل يسارا واضح المعالم، إلا أنها تظل حريصة على تنشيط نزعة ليبرالية تتيح لها فرصة نشر الرأي والرأي الآخر معا. وهكذا يكتب مالكولم ريفكند السياسي البريطاني المحافظ مدافعا عن حق السوريين في الحصول على سلاح يدافعون به عن أنفسهم ويظهر اسمه جنبا إلى جنب مع المسؤول السابق عن شؤون الشرق الأوسط في الغارديان، هو صحفي صار ضيفا على العاصمة السورية، بل زائرا شبه مقيم، يسطر المدائح للطاغية بين الفينة والأخرى.

وهذا التوازن المتمثل في عرض الرأي الآخر يمكن ملاحظته أيضا في موقف قناة سكاي نيوز لدى مناقشة المسألة المصرية على سبيل المثال، أما البي بي سي فإنها في عرضها للمسألتين السورية والمصرية تحاول أن تكون موضوعية ولكن بالمعنى المبسط وليس العميق لهذا المفهوم.

وهذا الموقف يصبح أقل توازنا عندما يتعلق الأمر بالموضوع الفلسطيني مثلا، حيث يساوي بين الجلاد والضحية.

المؤشر الرابع هو انتشار المنحى الشعبوي في بعض وسائل الإعلام كصحيفة «الديلي ميل» واسعة الانتشار، فهي الأكثر خضوعا من سواها للتنميط السلبي.

المؤشر الخامس الذي يمكن رصده في بعض الصحف يبقى في الأثر الخفي الذي يخلقه مالكوا الأجهزة الإعلامية واسعة الانتشار، حيث يحرصون على تملّق نزعة شعبوية سائدة تجاه القضايا العربية، وهي نزعة مشبعة بالتنميط السلبي المتراكم في الحضارة الغربية حاليا.

والمؤسف أنه بدلا من أن يفعل الملحقون الإعلاميون للسفارات العربية في بريطانيا شيئا، كأن تكون لهم ردود أفعال مكتوبة ومتابعات للصحف والإعلام المرئي وما ينشر فيهما من أخبار وتعليقات، سلبا وإيجابا، تتعلق بالعرب والشرقيين، فإنهم مازالوا غائبين عن هذا الحقل الذي يصنع فيه الرأي العام. فهناك في كثير من الحالات تغطيات يتوجب عليهم متابعتها والرد أو التعليق عليها، لكنهم لا يفعلون.

وفي هذا السياق فإن ما يندرج في خانة صحيفة الديلي ميل، من صحف صفراء كـ»الصن»، و»الديلي إكسبريس» والديلي ستار»، ورغم اعتبارها من الصحف الشعبية واسعة الانتشار، فهي لا تستحق عندما تتناول العرب بالتنميط السلبي وبأخبار ملفقة، إلا المتابعة القضائية. ومعروف أن غالبية هذه الصحف الشعبية لا تباع إلا بسبب صور العري التي تلجأ إلى نشرها لرفع مبيعاتها في الأوساط الشعبية، وهي تتوجه أساساً إلى مخاطبة نمط جاهل من القراء، وبالتالي من الأفضل عدم الاهتمام بها والحديث عنها فهي دون المستوى.


ناقد من سوريا مقيم ببريطانيا

18