الصحافة التونسية تحت ضغط لوبيات المال الفاسد

في الوقت الذي يبدي فيه الصحافيون التونسيون منذ فترة مخاوفهم من سيطرة المال الفاسد والأجندات السياسية على وسائل الإعلام، وتأثيرها على حرية الصحافة في البلاد، جاءت تصريحات رجل أعمال تونسي حول شراء ذمم الصحافيين، لتفاقم المخاوف وتفتح نار المواجهة على الفاسدين من الصحافيين ورجال الأعمال.
الخميس 2016/10/27
هل من سبيل للفصل بين المال والإعلام

تونس – هزت تصريحات رجل أعمال تونسي الوسط الإعلامي في تونس، إثر تصريحه في برنامج تلفزيوني بأنه اشترى ذمم “كل” الصحافيين في تونس باستثناء واحد فقط في القناة التي يطل منها، مع تواتر الحديث مؤخرا عن سيطرة ونفوذ المال الفاسد على قطاع الإعلام.

وأعلنت النيابة العامة التونسية، الثلاثاء، فتح تحقيق حول رجل الأعمال المثير للجدل شفيق جراية، وقال سفيان السليطي الناطق الرسمي باسم النيابة العامة “تم الإذن بفتح تحقيق حول تصريحات أدلى بها (رجل الأعمال) شفيق جراية في برنامج تلفزيوني مساء الأحد”. وأكد أن فتح التحقيق مرتبط بتصريحات جراية حول الصحافيين.

ومساء الأحد، بث تلفزيون “الحوار التونسي” الخاص مقابلة ضمن برنامجه “لمن يجرؤ فقط” مع شفيق جراية (45 عاما)، قال خلالها مبتسما إنه اشترى “كل” الصحافيين في تونس باستثناء واحد فقط يعمل في تلفزيون الحوار التونسي.

وأثارت هذه التصريحات موجة غضب واسعة لدى الصحافيين، ووقع عدد منهم الإثنين، على عريضة يطالبون فيها نقابة الصحافيين، بإيداع دعوى قضائية لدى وكالة الجمهورية ضدّ الصحافيين المرتشين، “على قاعدة الاعتراف المسجّل الذي أدلى به شفيق جراية لدفعه للإدلاء بهوياتهم حال مثوله أمام القضاء، بصفته راشيا”.

وأكد عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين يوسف الوسلاتي، وجود العديد من وسائل الإعلام والبعض من الصحافيين على استعداد لبيع ضمائرهم وللكتابة على المقاس والاستجابة للوبيات المال الفاسد واللوبيات السياسية أحيانا، ومأجورين لدى بعض الدوائر النافذة في البلاد.

وأوضح الوسلاتي في تصريحات إذاعية، بخصوص تصريحات جراية أن النقابة ماضية في دفع النيابة العمومية إلى التحرك حول الإدعاء بشراء ذمم بعض الصحافيين، مبرزا أن النقابة تريد معرفة الصحافيين الذين باعوا ذممهم. كما بين أن هناك حوالي 37 صحافيا سيتقدمون بقضايا بصفة فردية لوكالة الجمهورية على خلفية تصريحات جراية.

واعتبرت نقابة الصحافيين التونسيين في بيان، تصريح جراية بأنه “اعتراف صريح باقتراف جريمة الرشوة والفساد المالي” مطالبة السلطات بـ“إحالته إلى القضاء من أجل جرائم الرشوة والفساد المالي اللذين اعترف بهما صراحة”، و“المس من سمعة الصحافة وضرب ثقة الجمهور فيها”.

وأعربت النقابة عن “استغرابها من الحصانة التي يتمتع بها المدعو جراية من قبل كل أجهزة الدولة وخاصّة وزارة العدل ووكالة الجمهورية (النيابة العامة)”.

يوسف الوسلاتي: البعض من الصحافيين على استعداد لبيع ضمائرهم والكتابة على المقاس

وذكرت بأنها “تقدمت بشكوى لوزير العدل السابق بتاريخ 8 يوليو 2015 ضد المدعو شفيق جراية لاقترافه مجموعة من الجرائم أخطرها التحريض على قتل الصحافيين والفساد المالي، وقد بقيت تلك الشكوى دون متابعة إلى حدّ اللحظة”.

ونبهت نقابة الصحافيين في بيانها إلى أن “لوبيات المال الفاسد أصبحت تمثل التهديد الأخطر على حرية التعبير والصحافة” في تونس.

وتتهم وسائل إعلام ومعها سياسيون شفيق جراية بـ“اختراق” عدة أجهزة في الدولة مثل القضاء والأمن والبرلمان، ووسائل إعلام محلية، وهي اتهامات وصفها، خلال مشاركته في البرنامج، بأنها “ترّهات”.

ورد جراية على الهجوم العنيف الذي أعقب تصريحاته بإصدار بلاغ صحافي قال فيه إن تصريحاته في برنامج لمن يجرؤ فقط على قناة الحوار التونسي بخصوص الصحافيين التونسيين وشراء ذممهم كانت “مجرد مزحة ومشاكسة للإعلامي نوفل الورتاني”.

وأكد أنه لم يصدر منه أي نوع من الإساءة المباشرة أو غير المباشرة للصحافيين، وأنه تم إخراج المزحة من سياقها لشن حملة تشويه ضده، متقدما باعتذاراته للصحافيين.

وقال إن بعض الأطراف المطالبة برفع قضية ضده لها أجندات سياسية، لافتا النظر إلى أنه من الخطر انسياق نقابة الصحافيين في قيادة حملة تشويه ضده، مضيفا أن الاتهامات الموجهة له لا أساس لها من الصحة.

لكن العديد من الصحافيين التونسيين والمنظمات والهيئات المحلية المدافعة عن حرية الصحافة يؤكدون نفوذ وسيطرة المال الفاسد على بعض وسائل الإعلام في تونس، حيث حذرت النقابة العامة للإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل من “وجود خطر حقيقي على حرية التعبير واستقلالية العمل الصحافي في هذه المرحلة”.

ودعت إلى أن ينأى الإعلام بنفسه عن لوبيات المال الفاسد، مشيرة إلى أنها “تتابع بكل انشغال” تواصل الجدل في قطاع الإعلام وبين الإعلاميين حول الفساد المالي والسياسي داخل القطاع.

وطالبت النقابة العامة للإعلام، الصحافيين وكافة العاملين في القطاع بالدفاع عن مهنتهم “بعيدا عن التوظيف السياسي وخاصة عن لوبيات المال المشبوه الباحثة لها عن غطاء إعلامي من خلال أشباه الصحافيين”، داعية في هذا الخصوص النيابة العمومية إلى التحرك والأخذ بعين الاعتبار كل التصريحات والملفات التي تكشف عن وجود شبهات فساد ورشوة في القطاع والضرب بقوة على أيدي المرتشين وبائعي الذمم.

كما دعت إلى عقد مؤتمر وطني حول مستقبل الإعلام الوطني في ظل التهديدات التي تواجهه وفي ظل غياب التشريعات الضرورية لحماية القطاع من الدخلاء ومن الاختراقات ولضمان حرية التعبير ومنع أي تراجع في منسوب الحرية في البلاد، مؤكدة ضرورة التصدي لكل محاولات تركيع الإعلام الحر والمستقل حتى يبقى بعيدا عن التوظيف السياسي مهما كان مأتاه.

واعتبرت النقابة أن حرية الإعلام لا يمكن أن تتحقق دون ضمان حقوق العاملين فيه وإنهاء التشغيل الهش والعمل غير اللائق، مبينة أنه لا يمكن الحديث عن حرية دون ضمان أجور محترمة تضمن كرامة الإعلاميين.

18