الصحافة التونسية محاصرة بتهديد المتطرفين وتشريعات مكافحة الإرهاب

بعد الاعتداءات الإرهابية الأخيرة التي ضربت تونس، شددت الحكومة قوانين مكافحة الإرهاب، وهو ما انعكس سلبا على الصحفيين، وفرضت عليهم قيودا في نشر المعلومات أو انتقاد السلطات المختلفة، وحتى التحقيقات الاستقصائية.
الخميس 2015/10/29
القيود على الصحفيين التونسيين تزداد جراء التعارض في القوانين

تونس - يجد الصحفيون التونسيون أنفسهم عالقين بين المتطرفين العنيفين وبين أجهزة الأمن التي يضيق صدرها بالنقد. ففي الوقت الذي هددت فيه الجماعات المتطرفة وسائل الإعلام، أصدرت الحكومة تشريعات مشددة فيما تقوم قوات الأمن بمضايقات قانونية، وحتى اعتداءات ضد الصحفيين.

ولجأت بعض وسائل الإعلام إلى ممارسة الرقابة الذاتية، للتأقلم مع هذا الواقع. بحسب تقرير لجنة حماية الصحفيين أعدته صفاء بن سعيد.

ويذكر التقرير أن الإنجازات التي تحققت بعد عناء طويل في مجال حرية الصحافة بدأت تتراجع وتتعرض للتهديد منذ الاعتداءين الإرهابيين الكبيرين اللذين وقعا هذا العام وأوديا بحياة 60 شخصا وأديا إلى ازدياد المخاوف الأمنية، أعدت الحكومة تشريعات جديدة يمكن إساءة استخدامها لإسكات وسائل الإعلام.

كما باتت الأجهزة الأمنية لا تتحمل النقد، مما أدى إلى مضايقات قانونية ضد الصحفيين الناقدين، وحتى اعتداءات بدنية وتهديدات ضد صحفيين يقومون بعملهم.

هذا بالإضافة إلى تهديدات المتطرفين الإسلاميين، مما يجعل الصحافة عالقة بين الإرهابيين وبين الجهات التي تسعى إلى مكافحتهم، وهذا مأزق شائع يواجهه الصحفيون حاليا في العالم.

وفي وسط هذا المناخ المشحون، تزداد القيود على قدرة الصحفيين التونسيين في القيام بعملهم، جراء التعارض في القوانين، وإحجام بعض مالكي وسائل الإعلام والمحررين عن نشر تحقيقات صحفية ناقدة أو مقالات شديدة اللهجة.

بيد أن الصحفيين يقولون إن الحكومة أخذت تلجأ حاليا إلى قانون العقوبات الأكثر تشددا بدلا من تطبيق قانون الصحافة، ويتيح قانون العقوبات سجن الأفراد بسبب جرائم تتعلق بالنشر، بما في ذلك التشهير أو القذف. في حين لا يسمح المرسوم 115 بعقوبة السجن بسبب هذه الجرائم، وإنما ينص على فرض غرامات كعقوبة.

وأفاد كمال العبيدي، وهو صحفي مستقل ومناصر لحرية الصحافة وعمل سابقا ممثلا للجنة حماية الصحفيين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، “يتمثل أحد الشواغل الرئيسية للصحفيين ومناصري حرية التعبير التونسيين في النزعة المستمرة لدى السلطات باستخدام قانون العقوبات المتشدد لجرهم إلى المحاكم بسبب قيامهم بعملهم، بدلا من استخدام المرسوم 115/2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، الذي يتضمن أحكاما تحميهم”.

قيس سعيد: الحماية الحقيقية هي توفير نصوص قانونية تضمن الحرية ووجود قضاء مستقل

وتزايدت المخاوف من إساءة استغلال القوانين بعد أن أقر البرلمان في أواخر يوليو قانونا واسع النطاق لمكافحة الإرهاب، وهو يتضمن تعريفات واسعة للجرائم الإرهابية ويسمح بفرض عقوبة الإعدام على من يدانون بارتكاب هذه الجرائم.

ويسمح الدستور التونسي بعقوبة الإعدام، إلا أن السلطات لم تنفذ أي حكم إعدام منذ عام 1991. كما ينص قانون مكافحة الإرهاب على عقوبة السجن لفترة تصل إلى خمس سنوات ضد أي فرد يمتدح الأعمال الإرهابية أو يرتبط بها. ويخشى مناصرو حرية الصحافة بأن القانون سيستخدم لإسكات جميع ناقدي الحكومة.

وقال محمد الذوادي للجنة حماية الصحفيين، وهو رئيس مركز تونس لحرية الإعلام، “تواجه حرية الصحافة حاليا تهديدات مستمرة بسبب التشريع الجديد الذي طرحته الحكومة باسم حماية الأمن الوطني”. وقد تأسس هذا المركز بعد فترة وجيزة من ثورة عام 2011 للدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الصحفيين. وهناك إجراءان تشريعيان إضافيان مثيران للقلق قامت بهما الحكومة. الأول قيامها في 3 يوليو بسحب مسودة القانون الأساسي حول الحق في الحصول على المعلومات، والذي صاغته وطالبت به جماعات المجتمع المدني، وكان معروضا على البرلمان لإقراره. وكانت الغاية من مشروع القانون هي تيسير الضمانات الدستورية “للحق في الحصول على المعلومات والحق في الوصول إلى المعلومات وشبكات التواصل”. ولم تقدم الحكومة مبررا لإجرائها المفاجئ بسحبه.

أما الإجراء الثاني فهو مشروع القانون الذي قدمته الحكومة في 10 أبريل تحت مسمى “زجر الاعتداء على القوات المسلحة” الذي يجرّم “تحقير” الشرطة أو غيرها من الأجهزة الأمنية. وينص على عقوبة السجن لمدة 10 سنوات وغرامة تبلغ حوالي 25.000 دولار أميركي لكل من يدان بتهمة إفشاء “أسرار الأمن الوطني”.

وقال الصحفي زياد الهاني “(سيكون) الصحفيون الاستقصائيون هم أول ضحايا هذا القانون”.

وقال ناجي البغوري رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، إنه تلقى رسائل من الحكومة أكدت فيها بأنها ستسحب مشروع قانون زجر الاعتداء على القوات المسلحة. وأفاد مكتب رئيس الوزراء في يوليو أن موضوع سحب مشروع القانون هو “قيد النقاش”، ورفض الإدلاء بأي تصريحات أخرى. ولم يجب الناطق باسم المكتب لاستفسارات أخرى أرسلتها مؤخرا لجنة حماية الصحفيين.

وقال قيس سعيد، الأستاذ المساعد في القانون العام والعلوم السياسية في جامعة قرطاج في تونس “لدينا نصوص قانونية كافية لمواجهة التهديدات الإرهابية. أما الحماية الحقيقية فهي توفير نصوص قانونية تضمن الحرية ووجود قضاء مستقل بعيد عن الاعتبارات السياسية”.

وثمة إجراء تشريعي آخر قد يتسبب بإشكالات للصحفيين وهو مسودة قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، والذي أعلن عنه في عام 2014. وقال وزير تكنولوجيا الاتصال والاقتصاد الرقمي، نعمان الفهري، إن مشروع القانون سيكون جاهزا لعرضه على البرلمان في نهاية عام 2015. لكن نقابة الصحفيين حذرت من نقص الحماية للخصوصية ومن السلطات الواسعة التي يمنحها مشروع القانون للسلطة التنفيذية.

ويتضمن قانون العقوبات الحالي عقوبات جنائية في جرائم التشهير، ولكن مشروع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية سيوسع نصوص هذه العقوبات كي تنطبق على المواد المنشورة في شبكة الإنترنت.

وفي الواقع، يحتوي تشريع مكافحة الإرهاب حاليا على مواد تتعلق بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهي تهدد الحق في الخصوصية والحق في الوصول إلى المعلومات، وذلك من خلال توسيع مبررات فرض المراقبة، ووضع تعريفات غامضة للجرائم، ومنح حصانة للمحققين، حسبما أفاد به خبراء في تكنولوجيا الاتصالات.

18