الصحافة الجزائرية تعاني من حصار متواصل بذريعة حفظ الأمن

يرسم الصحافيون الجزائريون والمنظمات الدولية صورة قاتمة لحرية الصحافة في البلاد، مع استمرار سجن الصحافيين المحترفين وغير المحترفين على أساس القانون الجنائي، والتحكم المفروض على المشهد السمعي البصري والخنق الاقتصادي للمؤسسات الصحافية المستقلة والتمويل السري لوسائل إعلام أخرى.
الخميس 2016/12/29
الخنق المالي وسيلة الحكومة المفضلة لإضعاف الصحف

الجزائر – عاد الجدل إلى الوسط الإعلامي الجزائري حول القيود الصحافية في البلاد، إثر إصدار منظمة مراسلون بلا حدود تقريرا تحدثت فيه عن اليد الخفية للسلطة الجزائرية وكيف تتحرك لضرب وسائل الإعلام والأصوات المنتقدة لها، في الوقت الذي يشير فيه المسؤولون الحكوميون إلى مكاسب في قطاع الإعلام، لم يستطع الصحافيون أن يجدوا لها أثرا على أرض الواقع.

وتناول تقرير “مراسلون بلا حدود” الذي صدر الأسبوع الماضي، باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وضع الصحافة في الجزائر منذ سنة 2014 (سنة انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لولاية رابعة) إلى اليوم.

ويؤكد تقرير المنظمة الدولية أن الصحافة الجزائرية تعاني من اختناق متواصل منذ إعادة انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، حيت ازدادت الإكراهات المفروضة على الجسم الصحافي.

وقال تقرير “مراسلون بلا حدود” أن “النضال من أجل صحافة حرة في الجزائر” لم يكن يوما أكثر راهنية بالنظر إلى لائحة التابوهات التي يحظر الاقتراب منها، مثل صحة الرئيس بوتفليقة وممتلكات المسؤولين الجزائريين والفساد المستشري في البلاد.

وأكدت ياسمين كاشا، مديرة منظمة “مراسلون بلا حدود” في شمال أفريقيا أن وضع الصحافة في الجزائر في تدهور مستمر.

وأضافت :” لا يوجد هناك أي شك في إرادة النظام الجزائري إسكات جميع الصحف والمصادر الإعلامية الأخرى التي ترفض الرضوخ لإرادة بوتقليقة وحاشيته وتواصل انتقاد حصيلته السياسية والاقتصادية وتتحدث عن صحته”.

وتابعت “لقد وصلنا إلى مرحلة أصبحنا نتساءل فيها هل يمكن اليوم لصحيفة جزائرية ما أن تنتقد النظام دون أن تتعرض إلى متابعات قضائية أو إلى دفع غرامات مالية باهظة؟”.

وأمام هذه التابوهات، يصبح سجن الصحافيين المحترفين وغير المحترفين على أساس القانون الجنائي، والتحكم المفروض على المشهد السمعي البصري والخنق الاقتصادي للمؤسسات الصحافية المستقلة والتمويل السري لوسائل إعلام أخرى، الصورة العامة للوضع الصحافي في الجزائر.

وأشارت كاشا إلى أن سياسة “الخنق المالي” هي الوسيلة الأولى التي أصبح النظام الجزائري يطبقها من أجل إضعاف الصحف اقتصاديا وماليا. وضربت لذلك مثل جريدة الوطن الناطقة بالفرنسية وصحيفة الخبر اللتين فقدتا 50 بالمئة من دخلهما المالي لأنهما وقفتا ضد انتخاب بوتفليقة لعهدة رابعة.

كريستوف ديلوار: خلف التعددية الإعلامية توجد ممارسات سلطوية تضر باستقلالية الإعلام

وبدورها، قالت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، “إن حرية الصحافة في الجزائر هي صورة غير وردية، معاكسة لتلك التي تسوقها السلطة خصوصا في المناسبات الرسمية المرتبطة بحرية التعبير والإعلام”.

وأوضحت الرابطة أن الجزائر قد صنفت في مرتبة متأخرة ضمن تصنيف دولي شمل 180 دولة، حيث احتلت المرتبة 129، بسبب المشهد الإعلامي القاتم، وترى الرابطة أن السلطة في الجزائر لم تتوان في خنق الصحافة وتكميم الأصوات الإعلامية، تحت ذريعة حفظ الأمن والاستقرار، حيث أصبح المشهد الإعلامي قاتما في الجزائر.

وأضافت الرابطة أن الساحة الإعلامية، تشهد موجة من الغلق القسري للجرائد المكتوبة والتضييق على القنوات التلفزيونية، وخضوع العديد من العناوين الصحافية لمسألة الإشهار (الإعلان)، حيث تكون الجرائد مطالبة بالسير وفق خط معين، يخدم السلطة، وإلا فهي معرضة لسحب خدمة الإشهار منها.

ونوهت الرابطة إلى أن الإشهار لا يزال سلاحا في يد السلطة تنفذ به سياسة “العصا والجزرة” بامتياز، وتحول الإشهار بالتالي إلى ريع يوزع حسب مبدأ الولاء والطاعة. وأشارت بخصوص عقوبة سجن الصحافيين، إلى أن إلغاءها تم على الورق فقط في حين أن الواقع يوضح عكس ذلك، حيث تم خلال العام الجاري سجن مجموعة من الصحافيين منهم من أطلق سراحه ومنهم من مازال قابعا في السجن.

وقالت “بداية السنة الجارية ملأت السلطة أسماعنا بأنه تم إلغاء عقوبة حبس الصحافيين، بمناسبة تمرير تعديلات الدستور الجديد لسنة 2016، ولكن في الميدان رصدنا العديد من الصحافيين والمراسلين الذين تم سجنهم في سنة 2016، على غرار مهدي بن عيسى، رياض حرتوف، جعفر شلي، وحسان بوراس”.

وعلى مدى الأسابيع الماضية، توقفت سبع صحف عن الصدور. وقال هواري قدور، رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، “أتضامن مع المئات من الصحافيين الجزائريين الذين تم طردهم من عملهم، أو الذين بصدد التسريح بداية 2017”. وأضاف “هذا يؤكد أن هناك مخططا لغلق الصحف، ولن نبالغ إن قلنا إن عدة مؤسسات صحافية أصبحت غير قادرة على صرف أجور الصحافيين بانتظام، إذ أن بعض الصحافيين لم يتقاضوا أجورهم لمدة تفوق في بعض الأحيان 10 أشهر، ما ينتهك حقوقهم المادية والمعنوية؛ نتيجة الأزمة التي تهدد وسائل الإعلام في الجزائر”.

كما تطرق تقرير مراسلون بلا حدود إلى أن هذا الوضع مرشح لأن يزداد سوءا مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في الجزائر في أبريل 2017.

وأكد كريستوف ديلوار، الأمين العام للمنظمة، أن “الصحافيين الجزائريين ناضلوا بالكثير من الشجاعة والإصرار، منذ سنوات التسعينات، من أجل حرية الإعلام”.

وأضاف ديلوار “لكننا نلاحظ اليوم أنه خلف التعددية الإعلامية توجد ممارسات سلطوية تضر باستقلالية الإعلام”. وتساءل في الوقت نفسه “إلى أي حد ستذهب السلطات الجزائرية في خنق الصحافة ومن يساندها؟”.

18