"الصحافة الحمراء": ننشر أم لا ننشر

الاثنين 2016/07/18

لم تكن فيها نقطة دم واحدة، ولا أشلاء متناثرة، ولا وجوه ميتة. ورغم ذلك، كانت صورة الجثة المغطاة تماما، وبجوارها دمية صغيرة ملقاة على الأرض، هي الصورة الأكثر انتشارا في الصحف والمواقع الإلكترونية عن العملية الإرهابية التي جرت في نيس.

ببساطة، كانت الصورة الأكثر تأثيرا، لأنها الأكثر تعبيرا عن الحدث، ولأنها الأكثر إثارة لمشاعر التعاطف مع أبرياء سقطوا ضحايا لحادث إجرامي.

ومع هذه الصورة، كانت هناك المئات من الصور ومقاطع الفيديو الدامية، التي تصور عملية دهس الشاحنة للضحايا، وتقدم مشاهد بشعة لا تستسيغها النفس البشرية على فطرتها السليمة. لا تحتاج الصحافة إلى جثث أو دماء أو أشلاء لتعيش، والصحافة التي تلجأ إلى هذا النوع من الصور هي صحافة قصيرة العمر، لأنها تفتقر إلى أبسط المعايير الأخلاقية التي تقوم عليها هذه المهنة.

يجدد ما حدث في نيس أسئلة حول مدى التزام الصحافة بالمعايير الأخلاقية المتعارف عليها دوليا، والتي تكاد تكون متطابقة في مدونات أخلاقيات المهنة حول العالم. إلى أي حد يمكن أن يذهب الصحافي في تغطية العمليات الإرهابية والنزاعات المسلحة والكوارث؟ ما الذي يجب أن ينشره الصحافيون من صور الضحايا، وما الذي يجب ألا ينشروه؟ ما الذي تربحه الصحيفة، أو تخسره، إذا نشرت أو لم تنشر؟ أسئلة كهذه، وغيرها، كانت تشغل الحيز الكبير من تفكير ومناقشات الصحافيين في غرف الأخبار، لكن هذا الأمر تراجع، تحت وطأة وسطوة “الترافيك” في الصحافة الإلكترونية.

يدافع أكثر المتحمسين لنشر هذا النوع من الصور عن وجهة نظرهم بقولهم إنهم ينقلون ما يحدث، مستندين إلى أن الخبر، في أحد تعريفاته، هو نقل الحدث. ويعتبرون، كذلك، أنهم يؤدون عملهم الأساسي وهو إتاحة “حق المعرفة” للمتلقي. يقولون إن نشر صورة الطفلة العارية المحترقة بقنابل النابالم الأميركية في فيتنام أوقف الحرب هناك، وإن نشر صور الجندي الأميركي المسحول في الصومال، في أوائل الثمانينات، دفع الولايات المتحدة إلى سحب قواتها من الصومال، وإن نشر صور تعذيب المعتقلين في سجن أبوغريب لفت الأنظار إلى جرائم يرتكبها الجنود الأميركيون في العراق. قد يكون هذا صحيحا لكنه يظل أمرا خلافيا، وقابلا للجدل كذلك.

في المقابل، ما هو مبرر نشر صور لجثث ضحايا نيس، أو محاولة الانقلاب في تركيا؟ ما الذي يمكن أن تستفيده صحيفة من تركيز كاميراتها على صور أهالي ضحايا الطائرة المصرية مثلا؟ كيف يمكن لصحافي أن يبرر نشره صور ذبح ضحايا داعش (وبالفيديو!)؟ ما جدوى الاستثمار في الأحزان والدماء؟ هل فكرنا في أن ابنا من أبناء الضحايا قد يرى صورة أبيه الذبيح عندما يكبر؟ هل فكرنا في أمه وهي تشاهد صورته؟ ثم هل فكرنا في أن الاعتياد على صور الدم والجثث يفقد الموت جلاله، ويفقد النشر دهشته أيضا، مع الوقت؟ قد يؤدي نشر صور دامية إلى زيادة طارئة في التوزيع أو في زيارات الموقع الإلكتروني، لكن هذه الزيادة ستفقد الصحيفة جزءا كبيرا من مكانتها، وتضعها مستقبلا في مصاف الصحف الصفراء الباحثة عن الإثارة فقط، وهو أمر قد يفقد الصحيفة الكثير من مصداقيتها. هذه الصحافة الدامية، هذه الصحافة الحمراء، يجب أن تعيد التفكير في منتجها، ليس فقط من أجل الإنسانية، ولكن من أجل بقاء المهنة أخلاقية كذلك.

كاتب مصري

18