الصحافة الخاصة في مصر ضحية مصالح لوبيات المال

تتجلى أزمة الصحف الخاصة في مصر بارتهانها لأصحاب رؤوس الأموال وفرض مصالحهم على المادة التحريرية وما يتم نشره، كما أن معاناة الصحفيين من عدم وجود قوانين كافية لحمايتهم جعلهم عرضة لابتزاز مالك الصحيفة وبالتالي أضعف من أدائهم.
الخميس 2015/10/08
الأزمات المالية المتلاحقة تهدد مكانة الصحف المصرية الخاصة المرموقة

القاهرة - تواجه الصحافة الخاصة في مصر أوضاعا غير مستقرة تهدد بقاءها على الساحة الإعلامية مع اتساع حدة الصراعات بداخلها وزيادة الخسائر المادية، وهو ما ينعكس إيجابا على الصحافة الحكومية المملوكة للدولة، التي كانت الصحف الخاصة قد سحبت جانبا من البساط من تحت أقدامها خلال السنوات الماضية.

ومؤخرا، انتهى مصير صحيفة التحرير إلى الإغلاق بسبب الخسائر المالية، وتم تحويلها إلى موقع إلكتروني، والتي كانت قد تأسست عقب ثورة 25 يناير 2011. واليوم تواجه صحيفة المصري اليوم ، وهي من أقدم الصحف الخاصة في مصر، صراعات كبيرة بين الإدارة والصحفيين فيها، وقد دخلت نقابة الصحفيين على خط الأزمة أخيرا لتزداد اشتعالا. حيث تقدم رئيس تحرير الجريدة محمود مسلم، باستقالته على خلفية قرار إدارة الصحيفة بإلزام جميع الصحفيين بالتوقيع على إقرار يلزمهم بترك أعمالهم في القنوات الفضائية، أو بأي وسيلة إعلامية أخرى، والتفرغ للعمل بالمصري اليوم، وفي حال مخالفة ذلك يحق للصحيفة إقالته دون المطالبة بحقوقه المالية أو اللجوء إلى الجهات القضائية.

وقد أعربت نقابة الصحفيين في بيان لها، عن قلقها البالغ إزاء التطورات السلبية التي تجري داخل الصحيفة، ما سيؤدي إلى الاستغناء عن عدد كبير من الصحفيين والإضرار بحقوقهم المستقرة التي يكفلها لهم القانون، والتدخل في شؤون التحرير من جانب الإدارة مخالفة بذلك لكل الأعراف والتقاليد.

الخطر الأكبر على الصحافة الخاصة سوف يظهر عقب إقرار التشريعات الجديدة المنظمة للإعلام المصري حيث من المتوقع أن تواجه مصيرا مجهولا

وكانت مؤسسة المصري اليوم، أكدت أن عمل الصحفيين بالفضائيات أثر سلبا على طريقة العمل بالمؤسسة من حيث المحتوى، لكن أبوالسعود محمد، عضو مجلس نقابة الصحفيين، والمسؤول بالصحيفة، وصف هذا الكلام بأنه “حيلة” لتسريح الصحفيين من المؤسسة.

وقال في تصريحات لـ”العرب”، إن أزمة الصحافة الخاصة في مصر، ترجع إلى إطلاق يد رجال الأعمال للتحكم في المواد التحريرية، وهذا يحدث في كثير من الصحف، وليس قاصرا على المصري اليوم.

وأشار إلى أن تدخلات بعض رجال الأعمال من أصحاب الصحف الخاصة، وصلت إلى حد التحكم فيما ينشر وما لا ينشر، مضيفا أنه خلال التعديل الوزاري الأخير كان بعض ملاك الصحف يتدخلون لفرض أسماء وزراء بعينهم باعتبارهم من المرشحين لتولى حقائب بعض الوزارات في الحكومة الجديدة، لوجود مصالح خاصة بينهم، والترويج لهم، أملا في تقديمهم لصانع القرار والاختيار من بينهم.

ولا يسمح القانون في مصر للمحررين بتملك أسهم في الصحيفة التي يعملون بها، لحمايتهم من تدخلات المالك الأصلي أو تسريحهم وقتما يشاء، وهو ما تطالب به دوائر صحفية الآن، لوقف ما يوصف بابتزاز الملاك للعاملين في صحفهم.

واعتبر أبوالسعود أن الصحافة الخاصة في مصر ضحية مصالح رجال الأعمال، لاسيما أن قانون النقابة يكبل يديها، وبه بعض المواد التي لا تناسب الوضع الحالي، وتحديدا فيما يتعلق بمحاسبة مالك الصحيفة في حال ارتكاب أخطاء أو اتخاذ قرارات تهدد مستقبل الصحيفة والعاملين فيها.

وأضاف “قد يكون كل ذلك في صالح الصحافة الحكومية، ليس لأنها الأقوى، لكن لأن المنافس الأقوى لديها بدأ يضعف ويتهاوى”.

أبوالسعود محمد: القانون لا يسمح للمحررين بتملك أسهم في صحيفتهم لحمايتهم من التدخلات

صحيح أن قانون نقابة الصحفيين لا يعطي الحق لإدارة أي صحيفة باختيار رئيس التحرير قبل العودة إليها ووفقا لشروط محددة، لكن الحاصل الآن هو اختيار رئيس التحرير وفقا لرؤية صاحب الجريدة فقط.

كما تعيش أيضا صحيفة الوطن حالة من عدم الاستقرار، بعد استقالة رئيس تحريرها مجدي الجلاد منذ أسابيع، وعقب قيام عدد من كبار محرريها بتقديم استقالات، للعمل في صحف أخرى. ولا تزال الصحيفة تبحث عن رئيس تحرير بديلا للجلاد، الذي يبدأ تجربة صحفية جديدة مع أحد رجال الأعمال، لكنه يتكتم على تفاصيلها.

هذا الحال المتردي انتقل إلى صحيفة الشروق، التي يملك جانبا كبيرا من أسهمها الناشر إبراهيم المعلم، وبدأت الجريدة عملية تقليص في رواتب عدد كبير من المحررين، توفيرا للنفقات، ما أثار احتجاج المحررين ضد الإدارة، التي تحاول الحفاظ على الجريدة وتقليل الخسائر.

وعلق علاء ثابث رئيس تحرير صحيفة الأهرام المسائي (المملوكة للدولة)، وعضو مجلس نقابة الصحفيين، قائلا إن وضع الصحافة الخاصة في مصر “بائس”، ولم يصل بعد إلى الشكل الاحترافي المتبع في باقي دول العالم. وحققت هذه الصحف خسائر تقدر بملايين الجنيهات سنويا، ما قد يعطي لملاكها ذريعة الفصل التعسفي للصحفيين، والمشكلة الأكبر أن القانون المصري لا يجرم ذلك، بل يوقع غرامة مالية على مالك الصحيفة.

وأوضح ثابث أن كل ذلك يصب في مصلحة الصحف الحكومية التي تتعامل بأسس وقواعد منظمة لها، إضافة إلى أن سقف الحرية في الصحافة المملوكة للدولة، خاصة بعد ثورة 25 يناير، لم يعد محدودا، لكنه ارتفع بصورة تكاد تقضى على ما تبقى من مزايا لدى الصحف الخاصة.

وتمتلك الصحف الحكومية نحو 90 بالمئة من المقومات الأساسية للصحافة في مصر، من حيث عدد الصحفيين والإداريين والمطابع والتوزيع.

وأكد ثابت أن الخطر الأكبر على الصحافة الخاصة سوف يظهر عقب إقرار التشريعات الجديدة المنظمة للإعلام المصري، حيث من المتوقع أن تواجه مصيرا مجهولا، فإما أن تكون صحافة تعمل بشكل احترافي، أو تغادر المهنة.

18