الصحافة الساخرة سلاح النخبة لإسقاط الحواجز وتجاوز المحرمات

الثلاثاء 2015/01/20
لوكنار انشيني إحدى أشهر الصحف الفرنسية الساخرة التي تستخدم النقد الحاد والسخرية المرة

باريس – تعتمد الصحافة الفرنسية الساخرة، في جوهرها على التركيز على المحرمات وإثارة المواضيع المتعلقة بالسياسة والدين والجنس، وهو تقليد يعود إلى أيام الثورة الفرنسية للعام 1789.

ويقول غيوم دويزي المتخصص في تاريخ الرسم الصحفي: “هذه خصوصية فرنسية. هنا نسدد الضربات ونستخدم الرسم بشكل نضالي للاحتجاج والتنديد ولإسقاط الحواجز”.

ويرى المؤرخ كريستيان ديلبورت أنه “لا توجد وسيلة إعلام مماثلة لشارلي إيبدو في الخارج”، وأن تفرد هذه الأسبوعية التي قضت هيئة تحريرها في اعتداء دام بباريس، هو أنها “ليست منخرطة في السخرية السياسية وحسب، وإنما أيضا في النقد الاجتماعي، من بيئة واقتصاد ومالية”.

ويضيف أنه خارج فرنسا “هناك صحف فكاهية، لكن السياسة مهمشة، أما في فرنسا فالسياسة موضوع مركزي”.

وصحيفتا شارلي إيبدو ولو كنار انشيني هما أشهر الصحف الساخرة في فرنسا، وتستخدمان النقد الحاد والسخرية المرة، وتمثلان استمرارا لتقليد تحرري ومعاد لسلطة الكنيسة، كان عرف أوجه في القرن 19 مع ظهور مئات العناوين التي تتنافس في إثارة الإزعاج.

ويقول ديلبورت: “هذه الصحافة تخرق كل المحرمات”، بيد أن كابو الرسام الذي قتل في الاعتداء الأخير ويعمل للصحيفتين، يشير إلى فروق بينهما، حيث قال: “في لو كنار انشيني هناك حدود (الموت والجنس مثلا) أما في شارلي إيبدو فيمكننا أن نقول كل شيء ونرسم كل شيء”.

وتعتبر صحيفة “لاسييت او بور”، الصحيفة الساخرة الفوضوية في بداية القرن العشرين والتي كانت معادية للاستعمار والدين والعسكر والنظام، الأب الحقيقي لشارلي إيبدو، وكانت تجمع بين قوتين، الرسالة والرسم، فقد “كانت تتصدى للطغيان وكافة السلطات”.

لكن عنف العبارة والرسم ليس حكرا على رسامي الكاريكاتور اليساريين، ففي القرن التاسع عشر أو ثلاثينات القرن الماضي كان هناك “رسامون من اليمين ومن اليمين المتطرف لا يقلون شراسة وإبداعا”، كما يشير غيوم دويزي صاحب كتاب عن الكاريكاتور في 2005، لكن الرسم الساخر لم ينتشر إلا بعد قرن من ذلك التاريخ مع انتشار الأفكار الثورية ومفكرين يكافحون من أجل حرية التعبير.

ويقول دويزي إن الثورة والتخلص من سلطة الكنيسة الذي تلاها “لا يزالان يشكلان حتى يومنا هذا الفارق بين هذا البلد (فرنسا) وباقي البلدان”.

ويشير دويزي إلى أن الصحافة الساخرة في بريطانيا “كانت دائما أكثر احتراما للدين” حتى وإن كان يتم التعرض بالخدش أحيانا للعائلة المالكة من قبل بعض الصحف، “وفي الولايات المتحدة أيضا ليس من التقاليد التعرض للكنيسة”.

لكن الفرنسيين لا يلتزمون بهذه المعايير، ولم يتمكن سوى عدد قليل من الصحف الساخرة من الصمود بسبب الصعوبات المالية الناجمة عن التراجع المستمر لعدد القراء وغياب عائدات الدعاية التي تشكل ثمنا لاستقلال هذه الصحف.

وقد تمنح موجة التضامن مع شارلي إيبدو، التي مارست الهجوم على كافة الأديان بلا تمييز منذ ثلاثين عاما، دفعا جديدا للصحيفة الساخرة على الأقل مؤقتا.

18