الصحافة السورية تئن تحت وطأة الضغوط

سوريا في المرتبة الـ174 من أصل 180 دولة على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي نشرته “مراسلون بلا حدود”.
الخميس 2019/07/18
الممنوع أكثر من المتاح

بعيدا عن السياسة تواجه الصحافة السورية التقليدية أوالإلكترونية محرمات عديدة تتعلق بالفساد أو حتى ارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتأثير تناول هذه المواضيع قد يكلف الصحافيين الاعتقال أو الإخفاء القسري إلى أجل غير معروف.

دمشق - اعتقلت السلطات السورية صحافيا مواليا للحكومة في حلب، لتتسع بذلك القائمة الطويلة للصحافيين الذين تم الزج بهم في السجون رغم أنهم يعملون لصالح وسائل إعلام موالية بما فيها إيرانية، وفق ما ذكرت منظمة “مراسلون بلا حدود”.

وقالت المنظمة في تقرير على موقعها الرسمي، إن دعم الحكومة في سوريا، لا يشفع للصحافيين الموالين للنظام ويمنع اعتقالهم، فقد تناقلت العديد من وسائل الإعلام السورية مؤخرا نبأ إلقاء القبض على ربيع كلاوندي، مراسل قناة العالم الإيرانية الموالية للحكومة في 8 يوليو في مدينة حلب. ولا تزال عائلته تجهل تماما سبب اعتقاله، لكن الشيء الوحيد المؤكد هو أن اسم كلاوندي يضاف إلى قائمة طويلة من الصحافيين المحتجزين.

ووفقا لمعلومات حصلت عليها منظمة “مراسلون بلا حدود”، أقدمت السلطات في الأشهر الـ12 الماضية على اعتقال أو تهديد ما لا يقل عن 13 من الوجوه الإعلامية المعروفة بولائها للنظام على خلفية منشورات على فيسبوك وتقارير صحافية، علما أن معظم التهم الموجهة في هذا الصدد تشير إلى “إضعاف نفسية الأمة” أو “الإساءة لهيبة الدولة”.

وكان هؤلاء الصحافيون يحظون بامتيازات عديدة، حتى عهد قريب، حيث تم انتقاؤهم وسمح لهم بدخول مناطق القتال ونقاط ترحيل الأهالي المهجرين، شريطة أن يكون لهم دور رئيسي في التغطية الإعلامية المروجة للرواية الرسمية، مما أكسبهم جمهورا واسع النطاق.

ويُعد رضا الباشا، مراسل قناة الميادين اللبنانية (التي عادة ما تتبع سياسة تحريرية موالية للحكومتين السورية والإيرانية)، واحدا من هؤلاء الصحافيين الذين ذاع صيتهم، حيث يُعتبر من الأسماء المؤثرة جدا على منصات التواصل الاجتماعي، وأحد الوجوه البارزة في تغطية الحرب السورية. فقد رافق القوات النظامية في العديد من المعارك ضد المعارضين المسلحين. لكن الوضع انقلب رأسا على عقب يوم قرر التحدث علنا عن الفساد في مناطق سيطرت عليها القوات النظامية السورية، ولاسيما في حلب، من خلال أشرطة فيديو بثها مباشرة عبر فيسبوك، مما عجل بطرده من الأراضي السورية في فبراير 2019.

وأكد رضا الباشا بعيد رحيله، في منشور له عبر صفحته الشخصية على فيسبوك صدور مذكرة توقيف بحقه، متسائلا “إن كنتم ستطبقون قوانين ملاحقة القتلة وتجار المخدرات واللصوص على الصحافيين فلماذا خرجتم علينا بقانون إعلام؟”.

لكن المنشور حُذف في وقت لاحق. ولنفس الأسباب، قرر صحافي آخر (فضل عدم الكشف عن هويته) التخلي عن رئاسة تحرير الجريدة التي كان يعمل فيها بعد اتفاق مع مالكها بوقف النشر تماما. ففي مقال رأي نُشر لفترة وجيزة منتصف مايو قبل حجبه، أشار هذا الصحافي إلى “قوة الخوف في أوساط الصحافيين” مؤكدا أن الصحافة السورية تشهد واحدة من أصعب الفترات في تاريخها.

اعتقال الصحافي وسام الطير القضية الأكثر رمزية على الإطلاق حيث تتعلق بأكثر وسائل الإعلام الموالية للحكومة تأثيرا

كما عبر صحافيون آخرون عن إحباطهم عبر صفحاتهم الشخصية على فيسبوك، قبل أن يسارعوا بدورهم إلى حذف منشوراتهم. وقال مذيع تلفزيوني شهير، كان يدير برنامجا عن الفساد على قناة حكومية (مفضلا عدم الكشف عن هويته رغم أنه يعيش الآن في المنفى)، إنه غادر سوريا بعدما أصبح من المستحيل العمل في ظروف جيدة تسمح بتسليط الضوء على موضوع من هذا القبيل.

ويعد التطرق إلى أسعار الوقود من المواضيع المحرمة في سوريا، ففي 10 أبريل 2019، تم توقيف رئيس تحرير موقع هاشتاغ سوريا، محمد هرشو، بعد نشره مقالا على مشروع حكومي بشأن زيادة أسعار البنزين. وقد أُطلق سراحه بعد حصول المخابرات على ضمانات بشأن سحب المنشور، مع إصدار بيان اعتذار. بيد أن مصير المراسل الحربي لحزب البعث الحاكم، رئيف سلامة، كان مختلفا تماما، حيث زُج به في السجن من أبريل إلى مايو 2019 بتهمة إدارة صفحة فيسبوك ناقدة لوزارة الصحة. وفي أغسطس 2018، اعتُقل مراسل هاشتاغ سوريا، عامر دراو، بتهمة “نشر أخبار كاذبة” قبل أن يطلق سراحه في نوفمبر الماضي.

ولا تزال قضية وسام الطير هي الأكثر رمزية على الإطلاق. فقد تفاجأ الجميع باعتقال مدير شبكة دمشق الآن في 15 ديسمبر 2018، علما أن الأمر يتعلق بأكثر وسائل الإعلام الموالية للحكومة تأثيرا على فيسبوك بأكثر من 2.7 مليون مشترك، حيث توقفت الصفحة عن العمل لعدة أيام. وبينما ظل الطير قيد الاحتجاز، أُفرج بسرعة عن زميله سونيل علي، مراسل إذاعة “شام أف.أم”، الذي اعتُقل في نفس اليوم بعد خضوعه لعملية تفتيش ومصادرة معداته.

وما زال إلى اليوم مكان وسام الطير مجهولا وأيضا سبب اعتقاله، وإن كانت بعض المصادر ترى أن “ذنبه” الوحيد هو نشره عن أزمة الوقود في البلاد. ومن خلال صفحته الشخصية في فيسبوك، يقدم الكاتب والباحث السوري حسام جزماتي شرحا آخر، مستندا إلى “مصادر موثوقة” أكدت له أن وسام الطير كان يبيع صوره لوسائل إعلام أجنبية، وهو ما يُعتبر خيانة لأنه لا يُسمح بالعمل في مناطق معينة إلا لوسائل الإعلام التي تحظى برضا الحكومة.

صعوبة مضاعفة
صعوبة مضاعفة

وقد خرجت عائلة وسام الطير، التي تقيم في جبلة (جنوب اللاذقية)، عن صمتها من خلال شريط فيديو نُشر على فيسبوك بعد وقت قصير من اعتقاله. فقد أكد شقيق الصحافي أن أجهزة المخابرات قررت إيقاف وسام عندما بدأ هذا الأخير يبدي اهتماما متزايدا بالحديث عن الفساد في البلاد. أما والدته، فقالت وهي تبكي إنها ذهبت إلى دمشق حيث قضت عشرة أيام في محاولة الحصول على معلومات عن مصير ابنها، لكن دون جدوى. ووفقا لتقارير غير مؤكدة، يرجح أن يكون وسام الطير قد توفي تحت التعذيب.

ومن الناحية النظرية، يضمن الدستور السوري، المعتمد عام 2012 بعد اندلاع أولى المظاهرات، حرية الصحافة والحق في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالشأن العام، كما يحظر اعتقال الصحافيين أو استجوابهم أو إخضاعهم للتفتيش، علما أن الحكومة لا تتوانى عن التذكير بهذه المقتضيات الدستورية، مؤكدة أنها تمنح هامش حرية كبيرا لوسائل الإعلام. ففي الآونة الأخيرة، أكد وزير الإعلام عماد سارة أنه لن تكون هناك بعد اليوم “خطوط حمراء” في الإعلام السوري.

لكن الواقع يثبت العكس تماما. فمنذ اعتماد قانون بشأن إنشاء محكمة خاصة “لجرائم المعلومات والاتصالات” في مارس 2018، أصبحت المواقع الإخبارية تئن تحت وطأة رقابة مشددة.

يُذكر أن سوريا في المرتبة الـ174 (من أصل 180 دولة) على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي نشرته “مراسلون بلا حدود” في وقت سابق هذا العام.

18