الصحافة الشعبية البريطانية تنتهك وعي القراء

مثل هذه الصحافة الشعبية الواطئة قادرة على النجاح في تقديم إنسان غير حقيقي، ولديها من القراء ما يجعلهم يصدقون ذلك.
السبت 2018/05/05
كيم جونغ أون شخص حقيقي!

قبل سنوات قليلة وجدت الصحافة الشعبية في بريطانيا، قصة مثيرة بالنسبة إليها لتجعلها تعبر بامتياز عن كونها نتاج الثقافة الواطئة، وفق التقسيم الإنكليزي. فالثقافة العالية التي تمثلها المسارح ودور الأوبرا والصحف المعتدة بنفسها وبحساسيتها العالية، تقابلها موسيقى البوب والصحف الشعبية.

كان أحد الحلاقين في لندن قد اقترح على زبائنه قصة شعر اسمها كيم جونغ أون، وعلق صورة الرئيس الكوري الشمالي على واجهة محله في محاولة لاستقطاب الزبائن وتقليد قصة شعر الزعيم، لكن الصحف الشعبية وجدت فرصتها عندما صنعت قصتها بالقول إن مجموعة أشخاص يعتقد أنهم يعملون في السفارة الكورية الشمالية في لندن حذروا الحلاق، مطالبين إياه بإلغاء الإعلان وإزالة صورة “قائدهم المحبوب” لأنها أشبه بسخرية وتهكم على رمز كوريا الشمالية!

بالطبع لا أحد أكد جدية القصة الصحافية غير الصحف الشعبية التي بقيت تتداول تداعياتها، وعما إذا كانت الحرية المتاحة للناس في لندن سيصلها تهديد المنع والتخويف من كوريا الشمالية.

مثل هذه القصة الصحافية كانت مسلية بامتياز للصحف الشعبية آنذاك كي تستمر فيها وعلى مدار أيام والبحث عن أي تداعيات تمسها وإعادة نشر تصريحات الحلاق وعما إذا كان التهديد جادا، لأن الموضوع يتعلق بمساحة غامضة وملتبسة في ذهن القارئ الغربي عن كوريا الشمالية، فهي عبارة عن بلد موضوع في صندوق مغلق مجهول ومطوق ولا أحد يستطيع الوصول إليه، والتحقيق التلفزيوني الوحيد كان قد صور بكاميرا سرية لأستاذ جامعي بريطاني زار كوريا الشمالية، ولم يكشف غير الصورة المخيفة عن تلك البلاد الباردة.

سنجد أمثلة كثيرة بنفس مواصفات الصورة الملتبسة التي ترسمها الصحافة الشعبية البريطانية عن كيم جونغ أون، كان من قبل ياسر عرفات، حتى تغيرت ملامح الصورة بعد توقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل، معمر القذافي أيضا الشيطان الذي خضع وصار زعيما يصافحه الزعماء الغربيون بود وأريحية، إلا أنه سرعان ما عاد شيطانا بعد الاحتجاجات التي دمرت البلاد، صورة صدام حسين لا تنسى فهو رجل زفيره من دخان الأسلحة الكيمياوية القاتلة!

أما اليوم فقد تلاشى كل الكلام السابق عن الانتهاكات والمجازر المزعومة عندما يتعلق الحديث عن كيم الإنسان وليس الصبي الشرير صانع الألعاب النارية، أو ذلك الكائن المستبد المهيب الجانب البدين الذي يجوع شعبه ويضعه بصندوق مغلق معزولا عن العالم.

لا يحتاج القارئ أن يدفع ذاكرة باهظة في العودة إلى قصص الأمس القريب في الصحافة الشعبية، وهي تعيد تقديم الزعيم الكوري الشمالي اليوم كإنسان بمواصفات تحمل المفاجأة، أنه مختلف كليا عما كان، لنتخيل الاحتفاء الصحافي بما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن منظم الحفلات شوي هيون آه (24 عاما) بقوله “سمعت كيم يقول نكتة، وهو ما جعلني أدرك أنه إنسان أيضا”.

صوته الخشن لاقى إعجابا من قبل كثيرين، يا للمفاجأة! إذ قالت كيم كيونغ آه، وهي أم من سيول تبلغ من العمر 32 عاما، لصحيفة “كوريا هيرالد”، “كان سماع صوت كيم جونغ أون على التلفاز أمرا غريبا جدا… أعني لطالما علمت أنه موجود. لكن اليوم كانت المرة الأولى التي أشعر فيها أن كيم جونغ أون شخص حقيقي”.

وأضافت بنبرة يغلب عليها الحماس “حتى اليوم، لطالما شعرت وكأن كيم شخصية كارتونية. فقد كانت مشاهدته وهو يتحدث عن أمور عادية كـ’النودلز’ الباردة، لا الأسلحة النووية والحروب، أمرا مريحا”.

مثل هذه الصحافة الشعبية الواطئة قادرة على النجاح في تقديم إنسان غير حقيقي، ولديها من القراء ما يجعلهم يصدقون ذلك، سبق وأن قدمت صحيفة ذي صن الشعبية صدام حسين من داخل معتقله الأميركي وهو يغسل ملابسه، كانت بالنسبة إليها قصة فصدام لا يقوم بغير القتل، كيف تسنى له تعلم غسل الملابس! وقبل أسابيع نشرت صحيفة “ديلي ميل” الشعبية قصة ركيكة بنيت على ناشط إماراتي على تويتر وقدمته ببساطة متناهية كمدير للمخابرات الإماراتية، ونسجت خرافات ملفقة عما يقوم به هذا المدير المخابراتي!

اليوم احتفت الصحف الشعبية البريطانية بقيام صحيفة “كوريا هيرالد” بفحص كتابة جونغ أون على سجلّ الزوار، بغية تحليل خط يده، الذي يحاكي كجوانب أخرى من شخصيته العامة، خط جده وسلفه مؤسس كوريا الشمالية الراحل كيم إيل سونغ.

وقد أعلن خبير في الخط أن لدى كيم “شخصية سريعة الانفعال وأنانية”، مشيرا إلى أنه كان “متحمسا ومبتهجا بشكل كبير عندما كتب الرسالة”.

عندما مات كيم جونغ إل، والد زعيم كوريا الحالي، عبرت الصحف الشعبية البريطانية عن استغرابها وهي تشاهد فتيات جميلات يرتدين ملابس صوفية أنيقة وجديدة ويذرفن الدموع بحسرة شديدة على الزعيم الراحل، مشككة هذه الصحف بالصورة، فهي بالنسبة إلى محرريها غير حقيقية، الفتيات في كوريا الشمالية يعشن في وهن وفقر مدقع ولا يمتلكن مثل هذه الملابس.

واليوم انفتحت أمامنا بشكل مفاجئ بوابات قلعة العزل الغامضة، وسنرى كوريا الشمالية في تقارير صحافية وفقا لأحاديث نفس أولئك الناس الذين كانوا يعانون من الجوع، وهم يتحدثون بوجوه نضرة لأن لديهم ما يكفي من سمك السلمون الدسم.

علينا أن نترقب ما يقوله دونالد ترامب عندما يلتقي ولد الألعاب النارية المشاكس العابث بأزرار الأسلحة النووية، بعد أن تتغير التسمية ويصبح الزعيم الكوري المعتدل، هل ستتذكر الصحافة صفحاتها السابقة وهي تعيد كتابة الخبر الجديد؟

يا… للصحافة الشعبية البريطانية كم تنتهك وعي قرائها!

18