الصحافة الصحية تتراجع أمام سحر السياسة والجريمة والرياضة

تتدفق المعلومات الطبية والصحية عبر المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتفتقد غالبيتها للدقة، نتيجة قلة الصحافيين المتخصصين في المجال الصحي، وعدم اهتمام وسائل الإعلام بإسناد هذه المهمة لأهل الاختصاص.
الجمعة 2017/09/29
قطاع يحتاج إلى صحافيين متخصصين

واشنطن – لا تدخل الصحافة الصحية ضمن قائمة اهتمام الكثير من وسائل الإعلام وخاصة العربية، ولا تعتبر نفسها معنية باختيار صحافيين مختصين بالشأن الصحي لتقديم معلومة دقيقة رغم أهميتها بالنسبة إلى جميع شرائح المجتمع، فكانت النتيجة سيلا من المعلومات الزائفة والمغلوطة تتدفق عبر مختلف وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية دون حسيب أو رقيب مخلفة كوارث في الكثير من الأحيان.

أجرت صحيفة الإندبندنت البريطانية في وقت سابق من العام الجاري، دراسة تحليلية لأكثر من عشرين موضوعا جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال العام الماضي، من تلك التي تتضمن كلمة السرطان في عناوينها، وتبيّن أن أكثر من نصفها تضمّن ادعاءات رفضتها السلطات الصحية والأطباء باعتبارها غير صحيحة.

جاء ذلك رغم أن عدة ملايين من الأشخاص رأوا مثل هذه الموضوعات مثيرة للاهتمام، على نحو يكفي لأن ينشروها على حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتبدو المفارقة غريبة إذ ما أخذنا بالاعتبار اهتمام وسائل الإعلام الكبير بالقضايا السياسية وتأثيراتها وتجنيد جيش من الصحافيين لها، في حين لا أحد يسمع عن الصحافيين المتخصصين بالمسائل الصحية، وتتجاهل غالبية هذه الوسائل أن المعلومات الخاطئة بشأنها أكثر من الدقيقة والصحيحة، وكثيرا ما خلفت ضحايا. كما يتخوف الكثير من القراء من كون هذه الموضوعات خطيرة بحق.

هذا الواقع دفع البعض من الصحافيين إلى الاهتمام بهذا الموضوع والاتجاه إلى التخصص في الصحافة الصحية، ويقول الصحافي اتش ار فينكاتش، في تقرير لشبكة الصحافيين الدوليين، “لم أكن أفكّر بأنني سأصبح صحافيا صحيا. حتى اليوم، لا أعتقد أنني كذلك، ولكن بعد أكثر من 16 عاما من الخبرة، لدي احترام جديد لأولئك النساء والرجال الذين يغطّون القضايا الصحية، أدركت أيضًا أنه وبعكس ما يعتقد كثيرون، فإنّ هذه الوظيفة تتطلب المهارة والالتزام فقط لإتقان الأساسيات”.

ويضيف تتطلب صحافة الصحة والتنمية معرفة عميقة في المجال وقدرة على اكتشاف البيانات الجيدة، التي تتطلب سنوات عديدة من الخبرة. أما الالتزام، فلأنّ هناك القليل من السحر المرتبط بالسياسة والجريمة والرياضة وحتى الأعمال التجارية. ومع ذلك، لا يمكن القول إن هناك قضية أكثر أهمية من قضايا الصحافة الصحية.

صحافة الصحة والتنمية تتطلب معرفة عميقة في المجال وقدرة على اكتشاف البيانات الجيدة، التي تتطلب سنوات من الخبرة

وتبرز فوكس من بين وسائل الإعلام الجديدة نسبيا في الولايات المتحدة، التي تركز على الصحافة الصحيّة. فقد أوردت جوليا بيلوز، المراسلة الصحافية في موقع فوكس، ثلاثة أسباب لاتباع صحافة الصحة العامة في مقال، وقالت إن الناس يميلون إلى إيلاء الاهتمام لما تبلغه وسائل الإعلام عندما يتعلق الأمر بالصحة. كما تساعد الصحافة الصحيّة الجيدة في السياسات الحكومية.

وأضافت أنّ “صانعي القرار يعتمدون على الصحافيين ليقولوا لهم ما هو جديد وهام في عالم الطب والبحوث الصحية”، بالإضافة إلى ذلك، تساعد صحافة الصحة العامة الجيدة على إبقاء الحكومة مسؤولة.

وتابعت بيلوز “الرعاية الصحية هي عمل بحد ذاته ويجب أن تبقى الحكومة مسؤولة. السلطة الرابعة ليست مجرد دعامة لديمقراطية فعالة؛ إنها ركيزة للصحة العامة”.

والسبب الآخر الذي يجعل من المهم للصحافيين أن يتتبعوا الصحة العامة – وخاصة ذات الصلة بالاقتصادات الناشئة مثل الهند – هو أن الصحة العامة تساعد في تحديد مدى (أو سوء) قيام الحكومة بخدمة مواطنيها.

ويرى فينود ك. خوسيه، الذي يحرر في مجلة ذي كارافان الهندية “إن الصحة العامة الجيدة شرط لمجتمع متقدم، ومن المنطقي أن تساعد صحافة الصحة الجيدة في إعلام جميع أصحاب المصلحة – الإدارة والمواطنين – بما نحن عليه، وما يجب علينا القيام به للوصول إلى هناك”.

كما أن نشر الأخبار الصحيّة العامة هو أمر رائد في وسائل الإعلام. إذ يمكن إنتاج صحافة صحية جيدة تساعد المنظمات الإخبارية وخاصة الرقمية منها.

هذه الأسباب جعلت من المهم التفكير بإيلاء اهتمام بهذا النوع من الصحافة في جميع أنحاء العالم. فإذا كان الصحافيون الصحيّون جزءا من مجتمع ما، فهو سيحدث فرقا، وسيجد آخرون في النظام البيئي، أن الصحافة الصحية مفيدة.

ويقول فينكاتش، إن هناك حاجة ماسّة إلى إنشاء مجتمع خاص (منتدى) من الصحافيين الصحيين، لذلك بدأت العمل على بناء مثل هذا المجتمع بمساعدة عدد قليل من الصحافيين الرئيسيين في الهند. وهناك خمس طرق لدمج الناس في هذا المجتمع، أولها الموقع الإلکتروني للمنتدى الذي سيكون نافذة علی الموارد والمعلومات التي یصعب عادة الحصول عليها من خلال مواقع موثوقة ومصادر بیانات؛ والخبراء الموثوق بهم يمكن استشارتهم لقصص.

والصحافيون يمكن تكليفهم بالقيام بالقصص الصحية. ونخطط أيضا لإنشاء مجموعة على فيسبوك للحفاظ على التفاعل بين الإنسان والإنسان. ويمكن إرسال رسالة إخبارية لإبلاغ الأعضاء حول ما يجري داخل المجموعة.

وسيعمل الموقع الإلكتروني أيضا بمثابة بوابة للفرص المتصلة بالصحافة الصحية، مثل الوظائف والزمالات والمنح وما إلى ذلك. وسيكون هناك اجتماع منتظم، سواء بشكل رسمي وغير رسمي للتدريب وتبادل المعرفة والمرح.

والأمر الرئيسي، بحسب فينكاتش، هو أن هذا المجتمع مفتوح للجميع في الصحة العامة. والأهم من ذلك كله، نحن نبحث عن صحافيين لإعطائهم الوقت والطاقة لتشغيل هذا المجتمع معنا، بغض النظر عن مكان وجودهم.

ويوصي الصحافيون المتخصصون، في كل الأحوال، القارئ بتوخي الحذر حيال ما يقرأه، ومحاولة البحث عن مصدر الموضوع، أو بعبارة أخرى وسيلة الإعلام التي نشرته، وذلك لتتحقق مما إذا كانت هذه الوسيلة تحظى بسمعة جيدة، سواء كانت صحيفة أو موقع إلكتروني أو محطة إذاعة أو تلفزيون.

18