الصحافة العربية تعيش عصرها القاتم

العمل الصحفي في العالم العربي مثقل بالمشاكل والانتهاكات المتعددة من جانب السلطات السياسية، إضافة إلى غياب الحماية الكافية للصحفيين على الصعيد الأمني والقانوني، وتزداد المهنة صعوبة بالنسبة إلى المرأة التي تعتبر الحلقة الأضعف في هذا المجال.
الثلاثاء 2015/05/05
الانتهاكات مستمرة تجاه الصحفيين والتصريحات لا تكفي لإنهائها

القاهرة - أجمعت مؤسسات وجمعيات وصحفيون عرب على أن الوضع الذي يعيشه الصحفيون في أغلب الدول العربية قاتم ومثير للمخاوف. وتناولوا في تصريحات مختلفة في اليوم العالمي لحرية الصحافة، التحديات والمشاكل التي تواجه العمل الصحفي العربي.

وقال نقيب الصحفيين المصريين، يحيى قلاش، إنه “رغم قتامة الصورة لوضع الصحافة في مصر، سنردد دائما في كل عام أن حرية الصحافة بخير والحرية ضريبة دائما تدفعها الصحافة وستظل تدفعها”.

وأضاف قلاش أن “الملف اليوم مليء بالجراح وكل عام يثقل بالشهداء أو المحتجزين أو المحبوسين على ذمة قضايا حرية الرأي”، متمينا “ألا تكون محاربة الإرهاب على حساب الصدام مع الإعلام والصحفيين”.

وأشار تقرير للجنة الحريات بنقابة الصحفيين، في بيان لها، إلى أن 126 “انتهاكا” في الربع الأول من العام الجاري ارتكبت بحق صحفيين من جانب وزارة “الداخلية”.

في المقابل قال نضال منصور، الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن، “إن الانتهاكات الصحفية لا تزال مستمرة من خلال منع التغطية وحجب المعلومات والرقابة القانونية التي تعيق العمل الصحفي، فضلا عن انتشار ظاهرة التعاميم (القرارات التي تعمم على الصحف).

وأشار منصور إلى أن “الأردن يملك فرصة للتقدم في المجال الصحفي، لكننا لا نفعل ذلك، فالكلام جميل لحرية الإعلام، لكنه لا يترجم على أرض الواقع”.

لكن وزير الإعلام الأردني، محمد المومني، قال إن بلاده حريصة على تعديل وتطوير التشريعات التي من شأنها أن تزيد من مساحة الحرية لدى الصحفيين، وأضاف أن الحكومة اتخذت منذ أيام عدة إجراءات وقرارات تتعلق بإعفاءات من الضرائب والرسوم وزيادة الاشتراكات الصحفية وأسعار الإعلانات بما يؤكد دعمها للصحافة ودورها ومؤسساتها والعاملين بها.

ناجي البغوري: "الهجمة ليست من خلال تدخلات المسؤولين فقط بل أيضا من خلال القوانين"

فيما اعتبر حقوقي متخصص في الدفاع عن الحريات الإعلامية أن “الانتهاكات” لا تزال مستمرة. وهو ما وافقه فيه طارق المومني، نقيب الصحفيين الأردنيين، بالقول إن “الحريات الصحفية في الأردن تشير إلى أننا مازلنا في إطار الحرية النسبية، بسبب سياسة التضييق على حرية الصحافة”.

لكنه استدرك بالقول “رغم ذلك إلا أننا حققنا تقدما في المجال الصحفي، وفي ما يتعلق بالمحاور التي أعلنت عنها الأمم المتحدة بهذه المناسبة، فهناك مساواة بين الجنسين وصحافة جيدة، أما المصدر فهو حق للصحفي ولا يمكن الإفشاء عنه لأي سبب من الأسباب”.

من جهتها نشرت “المبادرة من أجل كرامة الصحفي” الجزائرية، تقريرا سنويا حول وضع مهنة الصحافة في الجزائر، رسم صورة “سوداء” عن واقع مهنة المتاعب في البلاد.

وجاء في التقرير تسجيل “تراجع نوعية المنتوج الإعلامي، وبالموازاة مع ذلك تراجع تأثير الصحافة في صناعة القرار واتخاذ المواقف، وتكاد الكلمة تفقد صداها لدى الأجهزة التنفيذية والتشريعية، وهذه بدايات مخيفة لفقدان الإعلام كامل مصداقيته”.

وقال التقرير إنه أحصى “ما يفوق الـ200 حالة تعسف ترتكب سنويا في حق الصحفيين من قبل المؤسسات الإعلامية، وتتحول إلى نزاعات عمل، البعض منها ينتظر الفصل وتتعلق بعدم التصريح في الضمان الاجتماعي، والخصم غير القانوني من الأجور، والتحرش مختلف الأشكال، والحرمان من العطل، ورفض تسديد الأجور، والحرمان من الوثائق الإدارية التي تثبت علاقة العمل، ويعاني المراسلون الصحفيون أكثر من هذه التعسفات”.

أما نقيب الصحفيين التونسيين، ناجي البغوري، فلفت إلى أن “هناك هجمة كبيرة لإعادة الصحافة والصحفيين إلى المربع الأول الذي كان قبل الثورة”. وأضاف البغوري، أن “هذه الهجمة ليست من خلال التعليمات والتدخلات من مسؤولين في السلطة فقط، بل أيضا من خلال القوانين الزجرية”.

واعتبر أن الإحالات المتلاحقة والتتبعات التي تمت مباشرتها ضد الصحفيين تثبت وجود غموض في الأساس القانوني المتعلق بالمساءلة الجزائية للصحفيين.

ووفق تقرير صادر عن النقابة، فإن النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين تسجل تعارض مشروع القانون الأساسي المتعلق بالإرهاب ومنع غسيل الأموال في مستوى أول مع الحقوق والحريات المكرسة دستوريا ومع القوانين الضامنة للحريات الخاصة والعامة، كما يمثل في مستوى ثان تهديدا مباشرا لحرية الصحافة.

يحيى قلاش: أتمنى ألا تكون محاربة الإرهاب على حساب الصدام مع الإعلام والصحفيين

كما ناقش خبراء ومختصون قضية التمييز بين الصحفيين والصحفيات، التي تبرز بوضوح في العالم العربي، حيث أشارت حنان الجندي، أستاذة الإعلام في القاهرة، إلى أن المصريات العاملات في مجال الإعلام أكثر عُرضة للعنف من نظرائهن الرجال، جراء عملهن بنسبة 50.4 بالمئة، في حين أن 85 بالمئة منهن عُرضة لعنف لفظي و64 بالمئة عُرضة للعنف الجسدي، في حال قيامهن بتغطية أحداث عنف أو اشتباكات.

ولفتت الباحثة إلى أنه بالرغم من أن “اتفاقية جنيف” لعام 1948 تنص على تجريم استهداف الصحفيين، ومقرات عملهم وأماكن مبيتهم، لكن العالم لم يشهد حالة عقاب واحدة للمجرمين الذين يقتلون الصحفيين من جنسيات مختلفة في عدة دول بالعالم.

من جهتها، انتقدت ميرفت التلاوي رئيس المجلس القومي للمرأة في مصر، ما أسمته تناول الإعلام لقضايا المرأة من منظور تجاري قائم على الاهتمام ببرامج الموضة، ووصفات الطهي. واعتبرت التلاوي أن انتقاداتها تتحقق في الإعلام العربي بصفة عامة وليس المصري فقط، قائلة: رغم أن ثلث الشعب السوري أصبح لاجئا مشردا لم تلفت وسائل الإعلام السورية إلى معاناة المرأة السورية المعيلة في مختلف الدول التي يلجأ إليها السوريون.

“وهي نفس السقطة الإعلامية”، التي تكررت في حرب اليمن، فكل التناول الإعلامي للحرب يركز على أخبار الخسائر والمكاسب السياسية، ولا أحد يتطرق مطلقا إلى وضع الإنسان عامة، والمرأة خاصة في ظل هذه النزاعات المسلحة الدامية.

يذكر أنه في رسالة مشتركة بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف الثالث من مايو، دعا كل من الأمين العام للأمم المتحدة والمديرة العامة للـ”يونسكو” ومفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى مضاعفة الجهد من أجل تعزيز حماية الصحفيين ووضع حد للإفلات من العقاب إزاء الاعتداءات المروعة التي تطال الصحفيين.

18