الصحافة العمانية في زنجبار نقطة الوصل بين الوطن الأم والمهجر

تعتبر الصحافة العمانية رائدة على المستوى العربي، وحرصت منذ بداياتها مطلع القرن الماضي على الحفاظ على المفاهيم القومية وتكريس الثقافة والأدب عبر استقطاب كتاب ومفكرين عرب بارزين بالإضافة إلى العمانيين، وبعدة لغات.
الثلاثاء 2015/06/23
الصحف لم تستعمل الصور إلا في حالات نادرة

مسقط - يعتبر الإعلاميون العمانيون أن من غير المنصف اعتبار عام 1970 وظهور صحيفة الوطن، هو الميلاد الحقيقي للصحافة العمانية، في الوقت الذي بدأت فيه قبل ذلك التاريخ بـ 61 عاما، في زنجبار بصدور جريدة النجاح والتي رأس تحريرها الشاعر أبومسلم البهلاني واهتمت بالتركيز على الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة.

تبنت الصحافة العمانية المهاجرة قضايا هامة تخص العمانيين، ومنها المحافظة على الهوية العمانية المهددة في ذلك الوقت بسبب الاستعمار الإنكليزي، واستطاعت منذ سنواتها الأولى الرقي بمستواها من حيث الإمكانيات والأداء والقدرة على تغطية مختلف الأحداث والتطورات.

وظهرت صحيفة الفلق عام 1920 وتناوب على رئاسة تحريرها نخبة من الكتاب العمانيين من أبرزهم رجل الفكر والسياسة الشيخ هاشل بن راشد المسكري، وكانت صلة وصل بين العمانيين في عُمان وزنجبار (كانت تحت السيطرة العمانية)، وهي التي اهتمت بقضايا الوطن الأم عمان رغم بعد المسافة، بالإضافة إلى صحيفتي الإصلاح والنهضة.

ورغم الظروف والتحديات الصعبة في تلك المرحلة، إلا أن الصحف العمانية تجاوزت محيط المهجر وانتشرت في الكثير من بقاع العالم العربي، ووصلت مسقط والقاهرة وبيروت، كما وزعت في العديد من العواصم والمدن الأفريقية التي كانت تحتفظ بالوجود العماني فيها بكثافة، بحسب الدراسات.

في بداية صحيفة “الفلق” الأسبوعية، صدرت بطبعة عربية فقط قبل أن يضاف إليها القسم الإنكليزي عام 1932، وفي عام 1946 أضيف إليها القسم السواحيلي(لغة سواحل أفريقيا الشرقية) الذي بقي غير منتظم الصدور. وحتى عام 1956 كانت توزع في زنجبار، وفي الجزيرة الخضراء وعدد من المدن الأفريقية، ووصلت إلى مسقط ومصر والجزائر وبلاد الشام.

ولم يكن عدد صفحات (الفلق)عبر سنوات إصدارها ثابتا، بل كان يقل أو يكثر حسب عدد الأقسام واللغات، وأصدرت الصحيفة بالحجم النصفي “التابلويد”، والصفحة الواحدة فيها قسمت إلى ثلاثة أعمدة في غالب الأحيان وأربعة أعمدة في أحيان أخرى، ولم تستخدم فيها الألوان إذ أن الفترة التي صدرت فيها كانت تمثل بدايات العمل الطباعي والصحفي في زنجبار. ولم تستعمل الصور الصحفية فيها إلا في حالات نادرة.

وتنوعت مضامينها بشكل كبير بين السياسة والاقتصاد والزراعة والأدب، وغيرها من الموضوعات. ونشرت المجلة مقالات كتاب عمانيين، كما نشرت لكتاب وشعراء عرب أبرزهم الكاتب المصري محمد حسنين هيكل والشاعر السوري سليمان العيسى.

الصحف وظفت أخبار المندوب المتجول والمراسل واستعملت مصطلح (جاسوس إخباري) للتعبير عن المخبر الصحفي

واستخدمت الإعلانات في “الفلق” من أجل توفير موارد مادية لها، غير أن الصحيفة واجهت في تاريخها ظروفا صعبة كضعف الإمكانات المادية، وتعرضت للمحاكمة عام 1954 وصدر حكم بحجبها عن الصدور مدة عام في 19 يونيو 1954 بسبب ثمانية اتهامات وجهت لها تتعلق بنشر مقالات مثيرة للشعب وبوجود ثلاث مطبوعات مثيرة لدى إدارة “الفلق”، وعدم نشر اسم طابع وناشر الجريدة وعنوانها في عدد 12 مايو 1954.

وفي منتصف القرن الماضي صدرت أيضا جريدة “النهضة” في 18 نوفمبر عام 1951 لمؤسسها سيف بن حمود البوسعيدي، وكانت تصدر بشكل أسبوعي باللغتين العربية والإنكليزية فيما ترجمت بعض موادها إلى السواحيلية.

واهتمت الجريدة في صفحاتها الأولى بالمضامين الصحفية المتنوعة، فكانت تقدم الأخبار والتحليلات في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية. وكانت توزع في زنجبار، كما وصلت إلى مناطق مختلفة من ساحل شرق أفريقيا مثل بمبا وممباسا والكونغو وموزمبيق وجزر القمر.

واستخدمت النهضة فنونا صحفية مختلفة باستثناء التحقيق والحوار، كما وظفت أخبار المندوب المتجول والمراسل واستعملت مصطلح (جاسوس إخباري) للتعبير عن المخبر الصحفي المعهود في الصحافة وفق الموسوعة العمانية.

واتخذت الصحيفة الكثير من المواقف السياسية ضد الحكومة المحلية في زنجبار أو ضد المقيم البريطاني فيها، الأمر الذي أدى إلى إيقاف رئيس تحريرها سيف بن حمود البوسعيدي أكثر من مرة والتحقيق معه. ولا يعرف تاريخ توقف الصحيفة عن الصدور.

ومن بين الصحف التي صدرت في زنجبار أيضا صحيفة “المرشد” التي أصدرها أحمد بن سيف الخروصي لتخاطب الذين يتحدثون باللغة السواحلية وانتهجت خط مهاجمة الحماية البريطانية للجزيرة، وعندما ظهرت الأحزاب السياسية في زنجبار والجزيرة الخضراء انضم كتاب الصحيفة إليها. وظلت مستقلة تصدر بثلاث لغات هي: العربية والإنكليزية والسواحلية، حتى عام 1954.

وأبرز كتاب “المرشد” سعود بن محمد الريامي وعلي بن محسن البرواني، وهاشل المسكري، وأحمد بن محمد اللمكي. وصدرت في زنجبار أيضا جريدة “الأمة” عام 1958 عن حزب “الأمة” إثر حصوله على مطبعة عربية من الصين الشعبية واستمرت كلسان حال الحزب إلى أن توقفت عام 1963.

وأطلق الأمين بن علي المزروعي جريدة "الإصلاح" في 29 فبراير 1932، وهي استكمال للمشروع التنويري الذي كان يقوم به الشيخ الأمين المزروعي. وعنيت الجريدة بالمسائل الدينية والسياسية. وعنيت بمقالات شكيب أرسلان كما اهتمت بمقتطفات من كتاب "حاضرة العالم الإسلامي". وكتب فيها المزروعي عدة مقالات تناولت موضوع الإسهام الحضاري للدولة الإسلامية في أوروبا.

لكن معاناة الصحافة في سلطنة عمان إبان ظهورها، تمثلت في عدة عوامل أبرزها: أن هذه الصحف كانت تطبع خارج السلطنة وهذا في الحد ذاته يمثل عائقا كبيرا حيث تحتاج لمبالغ عالية للنقل بالإضافة إلى إمكانية تأخر هذه الصحف بسبب ظروف النقل، يضاف إلى ذلك أن الكوادر الصحفية والفنية كانت شحيحة، وذلك بحكم قلة التعليم في سلطنة عمان آنذاك، كما أن وسائل التوزيع كانت شبه معدومة حيث كانت شبكة النقل والمواصلات داخل السلطنة تكاد تكون معدومة.

18