الصحافة الفرنسية بعد الصدمة: المهنية أولا

تأثر الصحافة الفرنسية بعد الاعتداءات التي ضربت باريس الجمعة الماضية، لم تؤثر على التزامها بمعايير المهنية رغم الصدمة، وتبنت الصحف على اختلاف توجهاتها دعوات عديدة تراوحت بين الغضب والحزن والمطالبة بالرد القاسي، لكنها أجمعت على قيم الوحدة الوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
الاثنين 2015/11/16
الصحف الفرنسية توحدت بإعلان الحرب على الإرهاب

باريس - اتسمت الصحافة الفرنسية في تعاملها مع الاعتداءات الإرهابية التي طالت باريس بمعايير عالية من المهنية، تجلت في اختيار الصور الرصينة البعيدة عن إثارة الألم لدى ذوي الضحايا، وتجنب التصريحات المسيئة لدى بعض الأطراف المتأثرة بشكل مباشر في مثل هذه الحوادث الإرهابية.

وذلك على الرغم من مزيج المشاعر المتفاوتة بين الحزن والغضب والتحدي ودعوات مكثفة للوقوف صفا واحدا ضد التطرف الجهادي، في جميع الصحف مختلفة التوجه والخط التحريري.

وكان لافتا خلال رصد خطاب الصحف الابتعاد عن التحريض والدعوات للعنف والكراهية، على الرغم من الصدمة والغضب الواضحين.

وهو ما أشار إليه مراقبون، ودعوا إلى التزامه في الصحافة العربية التي تعاني من هذا الخطاب بخاصة خلال الأزمات والحوادث الإرهابية.

وتصدر “الحزن والغضب” عنوان صحيفة لوفيغارو المحافظة ذات التوجه اليميني، التي وعلى غرار ليبراسيون اليسارية صدرت استثنائيا أمس الأحد.

وحذرت لوفيغارو قائلة “هذه الحرب، الآن وقد فهم الكل ماذا تعني، قد بدأت لتوها ليس إلا”. وتحدثت عن هجمات كانت متوقعة من طرف السلطات الفرنسية. وقالت إن المتخصصين في “الإرهاب” كانوا يتوقعون مثل هذه الهجمات الضخمة في فرنسا، وأكدوا أن الوحدات الخاصة كانت تستعد لمواجهتها.

ونقلت الصحيفة تصريحا سابقا للقاضي السابق في قضايا الإرهاب، مارك ترفيديك، أكد فيه أنه يرى أن الأيام القادمة ستكون الأصعب. وقال إن مسلحي تنظيم الدولة لهم الرغبة ولديهم الإمكانات اللازمة لشن هجمات كبيرة في فرنسا لا تقارن بما شهدته البلاد في السابق.

وأعلنت لوفيغارو أن “ضد الوحشية ليس هناك إلا مبدأ واحد: إنه القوة، وضد الهمجية ليس هناك إلا قانون واحد: إنه الفعالية”.

العديد من الصحف استعادت شعار "أنا باريس"، وتم تداوله على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي

بدورها عنونت صحيفة ليبراسيون اليسارية “أنا باريس”، مستعيدة في ذلك شعارا يتم تداوله على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومستلهما من شعار “أنا شارلي” الذي انتشر في العالم أجمع إثر موجة التضامن مع صحيفة “شارلي إيبدو” الهزلية بعدما استهدفها إرهابيان هاجما مقرها في 7 يناير 2015 وقتلا 5 من رساميها.

واعتبرت الصحيفة أن المجتمع الفرنسي عليه أن “يتحلى بالرصانة والتحكم بالنفس لعدم الاستسلام للقتلة وممارسة يقظته وإرادته الصارمتين في مواجهة الرعب استنادا إلى مبادئ القانون والتضامن”. وحذت حذوها صحيفة لاريبوبليك دي بيريني التي قالت في صفحتها الأولى “كنا شارلي وسنكون باريس”.

من جهتها، نقلت صحيفة لوموند المسائية، رواية عدد من شهود العيان، وأوردت رواية الصحفي جوليان بيارس، حول الاعتداءات أثناء حضوره في مسرح باتاكلان، وكتبت أن “فرنسا في حرب. في حرب ضد إرهاب شمولي، أعمى، قاتل على نحو رهيب”.

وصدرت الصحيفة الباريسية “لوباريزيان/اوجوردوي آن فرانس” الشعبوية في عدد خاص تحت عنوان “فلنقاوم”. وكتبت “باسم الشهداء والضحايا الأبرياء وباسم الجمهورية، فرنسا ستبقى موحدة وستواجه”. وأعلنت قائلة “هذه المرة إنها الحرب”.

وعلى صعيد الصحف المناطقية، قالت “ديرنيير نوفيل دالزاس” أن “التحدي الحقيقي هو تأكيد القيم الجمهورية”، بينما اعتبرت “لا بريس دو لا مانش” أن الجهاديين “يشنون الحرب علينا. بوحدتنا سنتمكن من مواجهة هذا الجنون المرفوض”.

وكان القاسم المشترك بين كل الصحف الدعوة إلى الوحدة الوطنية، وقد لخصتها “لو جورنال دو ديمانش” على صدر صفحتها الأولى بعنوان “الجمهورية في مواجهة الهمجية”.

الصحف الفرنسية تدعوا إلى "التحكم بالنفس" وإلى التجند أمام الرعب الذي زرعه مقترفو الاعتداءات

واختارت ليكيب الصحيفة المختصة في أخبار الرياضة “الرعب” كلمة وحيدة لتتصدر صفحتها الأولى ذات الخلفية السوداء، ذلك أن الهجمات بدأت من ملعب فرنسا الذي كان يشهد لقاء وديا في كرة القدم بين فرنسا وألمانيا.

من جهتها كتبت سود أويست “علينا في الوقت الحاضر الوقوف صفا واحدا”، وهذا ما أجمعت عليه الصحافة برمتها.

وبالنسبة لجريدة “لانوفال ريبوبليك” فإن الحكومة كانت قد حذرت الفرنسيين الذين يمثل الخطر الإرهابي أول انشغال كبير بالنسبة لهم بعد البطالة من حدوث اعتداءات جديدة. وكتبت “كانت الحيطة قائمة من دون الاستسلام للخوف”، معتبرة أنه “بالرغم من هذا الاعتداء الإرهابي اللامسبوق يجب أن تستمر الحياة والحيطة”.

أما صحيفة “ويست فرانس” فترى أنه “حيال هذه الفعلة المشينة التي نفذها خصوم لا يصعب التعرف عليهم، فإن نضال فرنسا يبقى نضالا من أجل الحرية والكرامة وحقوق الإنسان”.

وبدورها، كتبت “لاديبيش دو ميدي”، قبل أيام قلائل من تحول باريس لعاصمة العالم لاحتضان قادة الدول في قمة كبيرة حول المناخ أبرز الإرهاب للجميع قدرته على توجيه الضربات، أي أن يثير من خلال الاغتيالات الجماعية رعبا شاملا موجها لفرنسا و للعالم برمته.

واعتبرت الصحيفة الإلكترونية “بوليتيس” في افتتاحية عنونتها “مآساة عواقبها لا تحسب” أن “هذه الاعتداءات توحي من خلال حصيلتها غير المسبوقة وعدد الأهداف بمنهجية عمل لا تشبه اعتداءات 7 يناير”، مؤكدة أنها “مدبرة من طرف تنظيم داعش الذي ضرب في أيام قلائل كلا من فرنسا وطائرة روسية في سيناء وحي سكني في بيروت، وذلك بعد أسابيع من اعتداء أنقرة”.

ودعت بعض الصحف الصادرة السبت في فرنسا في تعليقاتها، الفرنسيين إلى “التحكم بالنفس” وإلى التجند أمام الرعب الذي زرعه مقترفو الاعتداءات التي نفذها ثمانية انتحاريين في ست أنحاء مختلفة في العاصمة وضاحيتها وأسفرت عن 129 قتيلا و352 جريحا، بينهم 99 إصاباتهم خطيرة، وأعلن تنظيم داعش المتطرف مسؤوليته عنها.

18