الصحافة الفرنسية تكشف أسرار حرب التحرير الجزائرية

الجمعة 2014/11/07
بالنسبة إلى الجزائر كان الجرح عميقا جدا حتى ولو أنه كان من جراح التحرير

خصصت صحيفة “لوموند” الفرنسية في عددها الصادر يوم الجمعة 31 أكتوبر 2014 ملفّا خاصّا عن الجزائر بمناسبة مرور ستين عاما على اندلاع ثورتها التحريرية. وفي مطلع افتتاحيّتها اليومية، طرحت السؤال التالي: «مرور ستين عاما على ذلك اليوم، يوم فاتح نوفمبر 1954، الذي شاهد “أبناء عيد الأموات” يفجّرون ما سيصبح الحرب التحريريّة، ومضي أكثر من نصف قرن على اتفاقيات “إيفيان” التي وضعت حدّا لها، هل بإمكان حرب الجزائر أن تغادر المجال المؤلم للحداد وللذاكرة لكي تمضي إلى المجال التاريخي؟».

تضيف الصحيفة قائلة: «علينا أن نقول إن “التراجيديا الجزائريّة” -والتعبير لرايمون آرون منذ عام 1957- كانت مرعبة على ضفتي المتوسّط. وكم هو حاضر أثر ذلك التاريخ الموسوم بالعنف والموت والاحتقار، والذي كتب على مدة مئة وثلاثين عاما.

ويعني هذا منذ غزوة وحشيّة كلّفت الجزائر بين عام 1830 و1860 ثلث سكانها، ثم احتلالا فظّا وعنيفا تخللته عمليّات قمع رهيبة استمرّت حتى حرب السنوات الثماني التي لم تعلن عن اسمها إلاّ عام 1999”.


جرح عميق


في مكان آخر من الافتتاحية ذاتها، أضافت الصحيفة تقول: «بالنسبة إلى الجزائر كان الجرح عميقا جدّا حتى ولو أنه كان من جراح التحرير.

عنف الوطنيّة الجزائرية، الموجه ضدّ فرنسا كما وجّه ضدّ قسم من الجزائريين المتمثلين في “الحاركيين” والمنشقين، وتفوّق العسكر على المجتمع، والكتلة المتفحّمة لتاريخ رسميّ جامد، وكلّ هذا ولّد مآسي وشللا لا تـــزال الجزائر اليوم سجينته».

في الافتتاحيّة المخصّصة للملف المذكور، كتب كريستوف عيّاد يقول: «المعلم غاي مونّرو كان أول ضحيّة لحرب الجزائر، تلك الحرب التي استمرّت حوالي ثمانية أعوام، والتي كانت أطول حرب يخوضها الجيش الجزائري خلال القرن العشرين .

حرب “لم يتمّ الاعتراف” بها رسميّا، وعلى صورتها الحقيقيّة، من قبل فرنسا إلاّ في عام 1999. حرب ضدّ عدوّ لامرئيّ، متخفّ وسط السكان المسلمين، ومرتكب لعمليّات عمياء كان الهدف منها ترويع وتجذير الأقليّة الأوروبيّة، وفي الآن نفسه تفجير عمليات قمع ضدّ الأغلبيّة المسلمة التي لم تلبث أن ارتمت في أحضان جبهة التحرير الجزائريّة».

في الجزائر ذكرى الحرب لا تزال تستخدم لتمزيق الحبل من قبل نخبة ترغب في تبرير الامتيازات التي تتمتع بها

ويضيف كريستوف عياد قائلا: «اليوم مرت ستون عاما على ضفتي المتوسط، والزمن فعل فعله، وما كان غير متوقّع بالأمس -التعاون بين الجيش الفرنسي والجيش الجزائري- فرض وجوده من دون جدل أو خصام بشأن مقاومة الإرهاب الجهادي في الساحل الأفريقي.

فمنذ عمليّة “سارفال” في مالي، تتبادل باريس المعلومات مع الجزائر. إلاّ أن هذا التقارب غير المسبوق تمّ في السرّ كما لو أن أحدا من الطرفين غير راغب في الاعتراف به. غير أن ثقل التاريخ قوي جدا من دون شكّ. ففي فرنسا التجاهل والنسيان ليسا غير شكل من أشكال نفي الماضي وإنكاره».

ويتابع قوله: «أما في الجزائر فإن ذكرى الحرب لا تزال تستخدم لتمزيق الحبل من قبل نخبة ترغب في تبرير الامتيازات التي تتمتع بها، وهيمنتها على الدولة. فقط حين يتمّ الخروج من النّفي الفرنسي للماضي، ومن الكذب الجزائري الذي بإمكاننا تبريره، وبالتشاور مع الرأي العام في البلدين، يمكن لـ”المقاومة ضدّ الإرهاب” أن تكون مشروعة، وأن تحصل هذه المرة على موافقة الأغلبيّة».


ترك البطولات


وفي الملف نفسه نجد حوارا مع المؤرخ والمناضل الجزائري المعروف محمد حربي الذي يعيش في منفاه الباريسي منذ السبعينات من القرن الماضي. وكان محمد حربي، من قادة جبهة التحرير الجزائرية خلال الحرب التحريرية، وبعد الاستقلال كان من المستشارين البارزين في حكومة الرئيس بن بلة.

وعندما تمّت الإطاحة بهذا الأخير عام 1965، حوكم من قبل نظام بومدين وأودع السجن. وبعد فراره إلى الخارج، أصدر محمد حربي العديد من الكتب القيّمة عن تاريخ الجزائر سواء قبل الاستقلال أو بعده، وتعتبر هذه الكتب مراجع أساسية لفهم مختلف مراحل التاريخ الجزائري المعاصر.

وفي الحوار الذي أجرته صحيفة “لوموند” معه ، والمنشور في العدد المذكور يشير محمد حربي إلى أنه من الضروري، الآن وقد مضت ستون عاما على بداية الحرب التحريرية أن تتم مراجعة عميقة لتلك الحرب، ولمواقف فرنسا وكذلك مواقف جبهة التحرير.

وانتقد محمد حربي مختلف الحكومات التي تداولت على السلطة منذ الاستقلال وحتى هذه الساعة محمّلا إياها -حسب رأي الحربي- مسؤوليّة «إهمال القضايا الأساسية، مثل التعليم والصحة والمسألة الدينية والتفاوت بين المناطق، لذا فلا بدّ من ترك “أساطير الماضي” و”بطولاته” لتركيز كلّ الجهود على إيجاد الحلول الناجعة لمشاكل الحاضر».

ويضيف محمد حربي قائلا: «اليوم لا تزال الدّولة المكان الأساسي للاستثراء، وقوّتها القمعيّة والمضرّة بالمجتمع موضوعيّة وحقيقيّة. ولكن إذا ما كانت الدولة تحبس المجتمع وتسجنه، فإنها هي أيضا حبيسته وسجينته».

14