الصحافة الليبية تتبادل دور الضحية والجلاد

الصحف الليبية تسعى إلى مواجهة أزماتها المتمثلة في ضعف التمويل وارتفاع التكاليف، فضلا عن عقبات أخرى تتمثل في انقياد ممارسي المهنة ذاتهم إلى أحد أطراف الصراع.
السبت 2018/04/07
صحف قليلة ما زالت تناضل

طرابلس – ألقت سنوات عدم الاستقرار بظلالها على قطاع الصحافة والإعلام في ليبيا، ولم تعد الصحف القليلة المتبقية قادرة على إصدار نسخ ورقية الآن، بعد أن أجبر الوضع المتردي المئات من الصحف على التوقف.

ويقف ضعف التمويل وقلة الموارد عائقا أمام تلك الصحف التي تفكر بالعودة إلى المشهد بعد توقفها منذ عام 2014، وفق ما يؤكد ناشرون اضطرتهم الظروف إلى إقفال مؤسساتهم.

وتعاني ليبيا من مشكلات اقتصادية وسياسية وأمنية في السنوات التي أعقبت الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بمعمر القذافي. ونتيجة لذلك اضطرت نحو 600 صحيفة، محلية خاصة أو مملوكة للدولة، إلى التوقف عن الصدور، ولا تستطيع سوى 15 صحيفة فقط مواصلة الصدور لكن بشكل غير منتظم.

وتُباع نسخة الصحيفة بنصف دينار ليبي فقط (0.38 دولار) رغم أن تكلفتها تبلغ 5 دنانير ليبية (3.7 دولار)، فيما نقلت بعض الصحف مقارها إلى تونس المجاورة، وتصدر صحيفة “ليبيا هيرالد” الخاصة باللغة الإنكليزية من على مشارف تونس العاصمة حاليا وتنشر ملخصا يوميا فقط على الإنترنت.

وقال الهادي القرقوطي رئيس تحرير صحفية فبراير “الاستقطاب الحاد أيضا أربك المشهد الصحافي في ليبيا، فكوّن صحافيين لا يستطيعون أن يعبروا بكل حرية ومصداقية عن آرائهم، وهذا الاستقطاب جعلهم أمام خيارين: إما أن ينتهجوا ويعبروا ضمن رأي واحد ومحدد، وإما أن يصمتوا. ومن هنا حدث عزوف للصحافيين والإعلاميين عن العمل في هذه المهنة”.

الهادي القرقوطي: الاستقطاب الحاد جعل الصحافيين أمام خيارين: إما أن يعبروا ضمن رأي واحد ومحدد وإما أن يصمتوا
الهادي القرقوطي: الاستقطاب الحاد جعل الصحافيين أمام خيارين: إما أن يعبروا ضمن رأي واحد ومحدد وإما أن يصمتوا

كما يواجه المراسلون الميدانيون والصحافيون الأجانب صعوبات أمنية، تتمثل في مصادرة معداتهم واعتقالهم لساعات، وقد وثقت عدة شهادات لصحافيين محليين وأجانب، تحدثوا خلالها عن توقيفهم ونقلهم إلى مقارّ أمنية والتحقيق معهم لساعات، أو منعهم من التصوير ومن إجراء المقابلات بالشارع مع المواطنين، رغم أن العديد من الصحافيين يحملون بطاقة الصحافة وتصريحات من إدارة الإعلام الخارجي.

وكانت الصحافية الإيطالية  فرانسيسكا مانوشي قد تحدثت عن تجربتها في ليبيا، وقالت لدى وحدة الرصد والتوثيق “إن عناصر أمن، بعضهم يرتدي الزي المدني، أقدموا على مصادرة معداتنـا ونقلنا إلي مقر أمني ظللنا فيه أكثر من 90 دقيقة، وتعرضنا خلالها إلى العديد من الأسئلة حول وجودنا في ليبيا، وإنه من المؤسف أن تفرض كل هذه القيود الكبيرة على العمل الصحافي، إضافة إلى مخاطر التنقل والتصوير”.

واعتبرت منظمة “مراسلون بلا حدود” أن ليبيا تعيش “أزمة غير مسبوقة” في الإعلام بعد سبع سنوات على انطلاق ثورة فبراير.

وقالت إن ممارسة المهنة أصبحت “مغامرة” محفوفة بالمخاطر، وأدانت الإفلات من العقاب الذي ينعم به من يرتكبون الانتهاكات ضد الصحافيين، مضيفة أن هذا المنـاخ يدفع نحو إخلاء البلاد من الصحافيين.

وبينت المنظمة أن الصحافة تترنح بسبب الوضع الأمني في البلاد، وسط تفكك واضح في هياكل الدولة، قائلة إن الحرب السياسية تقوض استقلالية الصحافة.

لكن حتى المنابر الصحافية التي تلتزم بالخطوط الحمراء وتسير مع التيار تواجه مشاكل في التمويل تهدد استمراريتها بغياب أي دعم حكومي من أي جهة، بحيث توقفت المطابع الليبية الرئيسية منذ 2014.

ويرى عماد العلام رئيس تحرير صحيفة ليبيا أن “المشكلة الرئيسة هي مادية، حيث توقفت المطابع بسبب الوضع الاقتصادي والركود الذي حدث في البلد، أي أن المشكلة اقتصادية بحتة. ابتداء من توقف الطباعة وعدم وجود الورق في المطابع، إلى عدم وجود آلية لتشغيل هذه المطابع، ورغم أنها مطابع حكومية تابعة للدولة، لكنها مازالت حتى الآن متوقفة، ولم تستطع حتى هذه اللحظة العودة إلى العمل نتيجة للتراخي الحكومي، أو نتيجة… سمها ما شئت”.

وسقطت ليبيا في حالة فوضى عقب الإطاحة بالقذافي وقتله وتنافس حكومتين مدعومتين بفصائل مسلحة للسيطرة على مقدرات الدولة المنتجة للنفط.

ومن جانبه قال محمود أبوشيمة رئيس هيئة دعم الصحافة “في السابق نحن هيئة دعم وتشجيع الصحافة، لأنها تدعم وتشجع الصحافة حتى الخاصة. ونحن الذين قمنا بطباعة الصحف الخاصة التي وصلت إلى 130 صحيفة في اليوم، كنا نطبعها، ولكن تعطلت الآلات ولم نجد الدعم اللازم لصيانتها واستبدال قطع الغيار الهالكة واستيراد الورق والزنك (للطباعة)”.

وأضاف “لا شك أن ليبيا تمر بأزمة. كما أن الانقسام السياسي له دور في هذا المشهد. هناك حكومتان، ودائما الميزانيات مُعطلة لمؤسسات الدولة”.

وقال مواطن ليبي يدعى محمد عبده “انقطاع الصحف عن المواطن الليبي يضطره إلى أخذها من مصادر ثانية فيها الغث وفيها الثمين. وهذا طبعا يرجع إلى ثقافة المواطن نفسه، إذا كانت ثقافته ممتازة يميز بين الخبر الصادق والخبر الكاذب”.

وإذا سلمنا أن الصحافة إحدى ضحايا الوضع الأمني المتردي، لكن ذلك لا ينفي سقوط بعض وسائل الإعلام لتقوم بدور مؤثر في الاقتتال الذي تعيشه البلاد عبر خطاب الكراهية.

وحذر المركز الليبي لحرية الصحافة في ليبيا مرارا من خطورة تنامي “خطاب الكراهية”، وقال رئيس المركز محمد الناجم “إن التحدي الحقيقي أمام مالكي وسائل الإعلام ورؤساء التحرير هو إجراء الإصلاحات الشاملة في السياسات التحريرية ووقف هذا الخطاب المشبوه بحجج محاربة الإرهاب أو شعارات الثورة وغيرها، وعلينا جميعا العمل على الإصلاح الهيكلي والقانوني للقطاع بعد الانهيار والسقوط الذي يُعانيه، ولعل هذه النتائج بالدراسة البحثية هي لتعزيز دفاعات المجتمع وتوعيته بما يدور من حوله جراء الإخلالات المهنية التي تُرتكب بالفضاء العام”.

18