الصحافة المحلية: فكر في الأصغر تربح الأكبر

الاثنين 2016/08/22

الصحافة القادرة على رؤية جمهورها بشكل واضح هي صحافة قادرة على تحديد احتياجاته وتلبيتها بالشكل المناسب. والصحافة المحلية وشديدة المحلية هي الأقرب للجمهور، والأكثر قدرة على معرفته وتلبية احتياجاته، والوصول إليه أسرع من غيرها. وفي مصر- مثلا- هناك تجارب جديدة ناجحة في هذا المجال مثل صحافة مؤسسة “ولاد البلد” المنتشرة في أكثر من مدينة ومحافظة مصرية. والدليل الأكبر على نجاح “ولاد البلد” هو شراكتها مع أحد أكبر المواقع الإلكترونية في مصر، وهو موقع مصراوي. وتمثل جريدة “منطقتي” المتخصصة في تغطية أخبار وسط القاهرة نموذجا ناجحا آخر لهذا النوع من الصحافة، وقادها هذا النجاح إلى شراكة مع صحيفة “المصري اليوم” الشهيرة.

وفي حين تمثل الصحافة المحلية وشديدة المحلية تيارا آخذا في النمو في مصر، فإنها تمثل تيارا رئيسيا في أماكن أخرى من العالم، يلقى إقبالا قد يفوق- أحيانا- الصحف ذات الطابع القومي، فكل ولاية، وكل مدينة، وكل قرية ربما، لها صحافتها المعبرة عنها، ويمكن الاطلاع على موقع بريكستون بلوغ Brixton Blog، كمثال.

تراود أغلبنا فكرة إنشاء مشروع إعلامي. في هذه اللحظة الحماسية، تتدفق الأفكار والأحلام، ونبدأ في التفكير في مشروعات ضخمة، مدفوعين بما نتصور أننا نمتلكه من مهارات لا تقل عن تلك التي يمتلكها زملاء يعملون في مؤسسات صحافية كبيرة. قد يكون هذا صحيحا إلى حد كبير، ولكن يجب أن نتوقف قليلا، أن نخطو خطوة إلى الوراء، ونأخذ نفسا عميقا، ونعيد التفكير. قد لا يشكل توافر المهارات والخبرات والأموال اللازمة ضمانا لنجاح مشروع صحافي، وربما كان التفكير في مشروع ضخم سببا حقيقيا لفشل هذا المشروع، إذ يركز غالبا على شريحة واسعة من الجمهور، يصعب التعرف عليها أو تقدير احتياجاتها، والوصول إليها.

تحصل المشروعات الصحافية الكبيرة على دخلها من الإعلانات والتوزيع، لكن الإعلانات تمثل الجزء الأكبر من الإيرادات، والضامن الأساسي لاستمرارية أي مشروع. وتعتمد المؤسسات الصحافية، غالبا، على الوكالات الإعلانية، التي تجلب لها إعلانات التوكيلات والعلامات التجارية الكبيرة، وهي توكيلات وعلامات تجارية تنتشر عبر البلاد، وتستهدف شريحة واسعة وقادرة على الشراء. وهي بذلك لا تلتفت لسوق الإعلانات الصغيرة التي لا تجد لها منفذا إلا في الصحافة المحلية وشبه المحلية.

هناك، إذن، أموال ملقاة على الأرض وتنتظر من يجمعها. لو لم تجمعها، سيقوم غيرك بالمهمة، إن لم يكن الآن، فغدا. يحتاج الجميع إلى الإعلان عن نفسه ونشاطه، ولكنه يريد الوسيلة المناسبة، التي يتوافق جمهوره مع جمهورها. لا يستطيع مخبز افتُتح حديثا في مدينة صغيرة، مثلا، أن يعلن عن نفسه في “الأهرام” أو “المصري اليوم”، لأن سعر الإعلان أكبر من قدرته على الدفع أولا، ولأن خارطة الجمهور أوسع من احتياجه ثانيا. لذلك من الأفضل له الإعلان بسعر أقل في صحيفة محلية يتوافق جمهورها مع جمهوره.

والصحافة المحلية وشديدة المحلية، هي صحافة ذكية بطبيعتها، لأنها الأقرب إلى جمهورها والأكثر معرفة باحتياجاته. لذلك عليها أن تستخدم كل الأدوات الذكية المتاحة، وأن تطوع التكنولوجيا الحديثة في خدمة أهدافها. انتهى الزمن الذي تقتصر فيه الصحافة على الصحف والراديو والتلفزيون التقليديين. تتيح لنا التقنيات الحديثة استخدام المواقع الإلكترونية، وأجهزة الموبايل بتطبيقاتها غير المحدودة، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت من مجرد أدوات تسويق للمحتوى إلى منصات لنشر هذا المحتوى والتفاعل بشكل مباشر وآني مع الجمهور. هناك أيضا تطبيق تحليلات غوغل Google Analytics الذي يساعدكم على معرفة كل ما تحتاجون إلى معرفته عن جمهوركم: النطاق الجغرافي، العمر، النوع، أوقات الدخول إلى الإنترنت، عدد الزائرين، معدل التصفح، وقت البقاء في كل صفحة وفي الموقع. وهناك- كذلك- تطبيق اتجاهات غوغل Google Trends الذي يساعدكم على معرفة اتجاهات الجمهور واهتماماته وميوله في الوقت الحالي، وفقا للنطاق الجغرافي الذي تحددونه. كل هذه إمكانيات متاحة يمكنكم استخدامها والاستفادة منها بشكل كبير. عالم الصحافة أصبح أكبر وأكثر اتساعا مما كان عليه.

الخلاصة أن هناك الكثير من الأموال الصغيرة، التي يشكل جمعها إيرادا كبيرا يمكن أن تقوم عليه مؤسسة صحافية محلية قابلة للاستمرار.

فقط، عليك أن تتعرف على الجمهور واحتياجاته وتلبيها عبر اختيار كل الوسائط الممكنة. لا ينبغي على الصحافيين الشبان الراغبين في إنشاء مشروعات صحافية أن يفكروا في صحيفة ورقية فقط. يجب أن يذهبوا إلى جمهورهم أينما كان، وفي كل الأوقات، وعبر الوسيط الذي يستخدمه. يجب أن يحولوا مؤسساتهم الصغيرة إلى مصنع للمحتوى، ينتج: صحيفة ورقية، إذاعة محلية، موقعا إلكترونيا، وتطبيقات على الموبايل، ويقدم كل الخدمات الممكنة التي يحتاج إليها الجمهور، وهو- في المقابل- لن يبخل عليهم بإيرادات تكفل استدامة المشروع.

كاتب مصري

18