الصحافة المحلية كطوق نجاة

الاثنين 2016/08/15

في شارع صغير، متفرع من شارع الاستقلال الشهير بمدينة إسطنبول التركية، يقع مقهى “ليمان”. لا يلفت المقهى الصغير الأنظار بين مقاهي الشارع السياحي المزدحم، فلا إضاءة جاذبة، ولا موسيقى صاخبة، ولا أحد يقف خارجه، كما يفعل السائحون هناك عادة، للتدخين.

يتكون المقهى الصغير من طابقين يصل بينهما سلم معدني ملتف على نفسه، وتغطي جدرانه أوراق الصحف، فتبدو كأنها ورق حائط، وتزين الجدران لوحات كارتونية ساخرة كبيرة الحجم، عليها تعليقات باللغة التركية.

يعطي الديكور والإضاءة طابعا خاصا مميزا للمكان، الذي لا يرتاده إلا من يعرفونه، وأكثرهم شبان يساريون أتراك، انضم إليهم في السنوات الأخيرة شبان سوريون ممن دفعت بهم الحرب للجوء إلى تركيا.

ليس هذا أكثر ما يميز المكان، ففي المدخل الضيق، المؤدي إلى باب ثان قبل الدخول، يمكنك أن تلحظ نسخا من صحيفة ورقية، يبدو من غلافها أنها صحيفة كارتونية ساخرة، وهي كذلك بالفعل. ويمكنك شراء النسخة مقابل ثلاث ليرات تركية (ما يعادل يورو واحدا تقريبا). لا تؤجل شراء نسخة، لأنك -ببساطة- لن تجدها معروضة للبيع في مكان آخر. هنا، وهنا فقط، تصدر وتباع صحيفة “ليمان” الكارتونية الساخرة، ويحدث هذا منذ سنوات عديدة.

نعم. هذه الصحيفة تحمل اسم المقهى، وتصدر وتُوزع فيه فقط، وهي، بذلك، تمثل نموذجا ناجحا، ونادرا، للصحافة شديدة المحلية، فما الذي جعلها كذلك؟ كلمة السر هنا هي “الجمهور”. هذه صحافة ترى جمهورها جيدا، وتدرك احتياجاته وتلبيها له. ولو حاولنا أن نرسم خارطة الجمهور لهذه الصحيفة سنجد مكوناتها الأساسية هي أنهم شباب، يساريون، أتراك، محبون للفن ومحبون للسخرية.

ولكن، ماذا تستفيد كصانع صحافة من معرفة خارطة جمهورك؟ تخيل أنك تعمل ترزيا (خياطا)، وجاءك زبون طالبا تفصيل ملابس لوالده. هل تستطيع أن تبدأ في العمل فورا؟ ما الأسئلة التي يجب أن تطرحها على صاحب الطلب؟ وما الإجراءات التي يجب عليك اتخاذها؟ ستكون الأسئلة الأساسية هي:

* ما هو عمر الأب؟

* ما هي وظيفته؟

* أين يعيش؟

* ماذا يريد أن يرتدي؟

لكن، حتى لو حصلت على هذه الإجابات، هل يمكنك أن تبدأ في العمل من دون أن تعاين الأب، وتأخذ قياساته، وتستطلع رغبته في شكل محدد؟ هل يمكنك تفصيل بنطلون شارلستون لشاب جامعي يرتدي سكيني جينز؟ وهل يمكن أن يرتدي مزارع الجينز في سياق اجتماعي يتخذ من الجلباب زيا تقليديا؟

مهم جدا، إذن، أن نتعرف على جمهورنا، وبعد أن نتعرف عليه، نحتاج إلى التعرف على احتياجاته قبل الشروع في أي مشروع صحافي، فليس مجديا أن تنتج سلعة لا يحتاجها الجمهور فعليا، ولا يقبل عليها بشكل يغطي تكلفة إنتاجها على الأقل. وللتعرف على هذه الاحتياجات تجب الإجابة على الأسئلة التالية: ما هي الشريحة العمرية؟ ما هو النطاق الجغرافي؟ ما هي الحالة الاقتصادية ومعدل الدخل؟ هل هناك منافسون؟ من هم؟ وماذا يقدمون؟ وما الذي يميزني؟ ما هو الجديد الذي يمكنني أن أقدمه، وعبر أي وسيط؟

سيكون عليك، إذن، أن تعرف جمهورك، وأن تحدد احتياجاته، ثم تقدم له منتجا جيدا، ثم تبحث عن المعلن المناسب لك ولجمهورك، ثم تقيّم تجربتك، وتعيد الدائرة.

كيف تنجح هذه الصحافة؟ وكيف تنافس؟

كاتب مصري

18