الصحافة المصرية تفقد سلطتها.. وحياتها أيضا

ما لم تحدث معجزة إنقاذ من غيبوبة الموت، فإن نهاية الصحافة محسومة تماما، يلمسها القراء والصحافيون الذين ينتظرون الآن حدوث تغييرات في مناصب قيادية لن تؤثر على الأداء المهني، وإنما تعيد توزيع الأدوار على موظفين آخرين.
الخميس 2018/12/06
هل تصمد صحافة عمرها يزيد على 140 عاما أمام استبداد شيطاني غافل

كما لا يُسأل الإسلام، وجوهره تحرير الإنسان من العبودية، عن خطايا بني أمية باستسهال استباحة الدماء، فلا تسأل ثورة 25 يناير 2011 عن إعادة إنتاج الاستبداد وتحصينه، وانتظار إعلان كلمة “النهاية” لمهنة الصحافة.

وما لم تحدث معجزة إنقاذ من غيبوبة الموت، فإن نهاية الصحافة محسومة تماما، يلمسها القراء والصحافيون الذين ينتظرون الآن حدوث تغييرات في مناصب قيادية لن تؤثر على الأداء المهني، وإنما تعيد توزيع الأدوار على موظفين آخرين. وهذا الإجماع على أن التغييرات بلا فلسفة ولا معنى يؤكد أن الصحافة يديرها طهاة في رئاسة الجمهورية، كما يطرح سؤالا مهمّا: إذا كان القضاء سلطة والصحافة سلطة، فلماذا يهون منصب رئاسة التحرير، ويتدنى إلى مستوى وظيفة ساعي البريد؟

كان الدستور الذي أبطلته الثورة ينص على أن الصحافة “سلطة شعبية مستقلة… تمارس رسالتها بحرية وفي استقلال في خدمة المجتمع”.

كما نصّ الدستور نفسه على أن القضاء سلطة مستقلة، وأن “القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضايا أو في شؤون العدالة”. واحتفظ دستور 2014 للقضاء بهذه الحصانة، وأكد أن “التدخل في شؤون العدالة أو القضايا جريمة لا تسقط بالتقادم”، ولكنه تجاهل “سلطة” الصحافة، وارتهنها بأيدي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة.

ولا يكفي النص على استقلال هذا المجلس وهذه الهيئة للإقناع بوجود هذه الاستقلال، إذ يصدر بتشكيل كل منهما قرار جمهوري، وهذا وحده كاف للتبعية المباشرة للسلطة التنفيذية، والمزايدة على المنع وفرض الغرامات، والإسراع إلى تلبية شره السلطة إلى الرقابة، تفاديا لصداع الصحافة والصحافيين.

إذا سمّينا الأشياء بأسمائها، في ظل الحالة المصرية، فإن الأجهزة الأمنية مسؤولة عن ترشيح رؤساء الهيئات الإعلامية، ورجل الأمن لا تهمّه الكفاءة المهنية، وإنما ضمان الولاء. والمختار رئيسا لهيئة إعلامية أو لتحرير صحيفة، وفقا لهذا الشرط، يظل حريصا على إرضاء من رشحوه أو وافقوا على قدراته الوظيفية التي تمكنه من تنفيذ التعليمات، ولن يبالي بقارئ أو بجموع صحافيي الجريدة، فمن جاء بغير الطريق الديمقراطي لا تعنيه أصوات الغاضبين.

في مصر نحو خمسين صحيفة ومجلة يفترض أنها مملوكة للشعب، وليست مصادفة ألا يكون بين أي من مسؤوليها، الآن، رجل رشيد يطرح أو ينشر رأيا لا أقول معارضا للتوجهيْن الرئاسي والحكومي، وإنما غير مؤيد تماما للسياسة الرسمية.

ويمكن رصد شواهد على هذا التماهي بين السلطة التنفيذية وصحافة تابعة، ولم تعد سلطة رقابة شعبية، بل نشرة للبيانات والتعليمات، وتذكّر بوطأة المرحلة التالية للاحتلال البريطاني الذي أضيف إلى تبعية الحكم آنذاك للباب العالي، ومن ذلك الاحتلال المزدوج أُعلن عن عصيان الزعيم أحمد عرابي، ولعنه مساكين مغيّبون رحبوا بقوات الاحتلال في ميدان رمسيس.

قضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين مثال سافر على فقدان الصحافة للاستقلال وللحياة أيضا. ففي بداية الصدمة الشعبية، اتسع صدر الصحافة لطرح وجهتيْ النظر، وإن كان من خندق السلطة في خيار التخلي عن الجزيرتين. وللدلالة على ذلك، سأختار غلاف مجلة “المصور” الأسبوعية، في تحولاتها السلطوية من هذا الجانب إلى الآخر..

ففي 6 أبريل 2016 حمل غلاف المجلة عنوان “السيسي وسلمان.. الزعيمان يلتقيان في القاهرة”. وفي 18 أكتوبر 2016 أعلن مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام في التلفزيون، أن طائرة الملك سلمان رفضت الهبوط في مطار القاهرة، إلا بعد الموافقة على ترسيم الحدود، بما يتضمن التنازل عن الجزيرتين.

وخلال تلك الزيارة الرسمية وقع اتفاق بقيمة 23 مليار دولار، بين شركة أرامكو السعودية والهيئة المصرية العامة للبترول، لمدّ مصر بمنتجات بترولية مكررة، بواقع 700 ألف طن شهريا لمدة خمس سنوات.

ومع تنامي الضغوط الشعبية وحكم القضاء تراجعت شركة أرامكو عن الاتفاق، وأبلغت مصر في أكتوبر 2016 بالتوقف عن إمدادها بالمواد البترولية. وبدأت حروب الكلام، فحمل غلاف المجلة، في 30 نوفمبر 2016، عنوان “ماذا يريد محمد بن سلمان من مصر؟”، وفي 21 ديسمبر 2016 حفل الغلاف بعناوين أكثر حدة عن منافسة السعودية لإسرائيل في دعم سد النهضة الإثيوبي “السعودية تعلن الحرب على الشعب المصري. مصر مؤهلة لقيادة المنطقة رغم أنف الحاقدين”.

ثم وقعت الواقعة، وصارت الجزيرتان خبرا حزينا ينتظر الخلاص ويراهن في الاستعادة على المستقبل، ولم تعد الصحافة المصرية قادرة على إثارة هذه القضية ولو من باب التاريخ.

وتجري الآن عملية خبيثة لمحو الذاكرة بحذف مواد إعلامية تخص قضايا إشكالية، مثل تيران وصنافير، فلا تجد مقطع فيديو كان متاحا في يوتيوب، ولا تستطيع قراءة مقالات وتقارير انتقدت تهاون الحكومة وتبعية البرلمان؛ لحجب المواقع. وهكذا لا تبقى إلا وجهة نظر رسمية مصرية تصير بالإلحاح هي الوثيقة المعتمدة.

لا يجدي الآن الاحتكام إلى دستور نصت مادته رقم 211 على مسؤولية المجلس الأعلى للإعلام عن “ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام.. والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها”، فمصير هذه المادة لا يختلف عن المادة رقم 145 التي تلزم رئيس الجمهورية بتقديم “إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب، وعند تركه، وفي نهاية كل عام، ويُنشر الإقرار في الجريدة الرسمية”.

هل تصمد صحافة عمرها يزيد على 140 عاما أمام استبداد شيطاني غافل ثورة شعبية حالمة بالحرية؟

سؤال يدعو الإعلام الجديد، بحيويته واستعصائه على التطويع، إلى الاشتراك في معركة الحياة، فما أشبه أيامنا بآخر مشاهد “أولاد حارتنا”، وقد ساد الرعب، رعب المحكومين والحكّام على السواء، وتم فرض “أقسى العقوبات على أتفه الهفوات، وانهالوا بالعصيّ للنظرة أو النكتة أو الضحكة، حتى باتت الحارة في جوّ قاتم من الخوف والحقد والإرهاب. لكن الناس تحملوا البغي في جلد، ولاذوا بالصبر. واستمسكوا بالأمل، وكانوا
كلما أضرّ بهم العسف قالوا: لا بد للظلم من آخر، ولليل من نهار، ولنريّن في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب”.

18
مقالات ذات صلة